ميخائيل هراري
• الهدف من الهجمات الإيرانية ضد إسرائيل هو إيصال رسالة واضحة فحواها التزام إيران بحزب الله، ووجود ارتباط مباشر بين الساحتين الإيرانية واللبنانية. ومن المهم التذكير بأن طهران كانت قد حذّرت من أن أي هجوم إسرائيلي على بيروت سيستدعي رداً إيرانياً، وهو ما حدث فعلاً.
• عموماً، تعكس التطورات الإقليمية خلال الأسابيع الأخيرة نجاحات حققتها إيران؛ إذ تدير طهران مفاوضات شاقة مع واشنطن، وتشعر بأن لديها هامشاً كافياً للمناورة يمكّنها من التمسك بمطالبها الأساسية. علاوة على ذلك، نجحت إيران في إدخال الساحة اللبنانية ضمن إطار المفاوضات مع الولايات المتحدة، إذ قبلت واشنطن هذا الربط والمنطق الإيراني الكامن وراءه، وعملت بناءً عليه للضغط على إسرائيل ومنْعها من تصعيد هجماتها في لبنان. وبهذا، تكون إيران قد نجحت، ولو جزئياً، في ترميم استراتيجيا الوكلاء التابعة لها، والتي تعرضت للتآكل نتيجة إضعاف المحور الذي بنته خلال السنوات الماضية.
• إن إسرائيل تجد نفسها الآن في مأزق صعب، إذ إن هامش المناورة المتاح لها أمام الولايات المتحدة محدود للغاية، فقد أخطأت إسرائيل بصورة كبيرة في تعاملها مع الساحتين الأساسيتَين: إيران ولبنان؛ ففيما يتعلق بإيران، رفضت إسرائيل استيعاب التفضيل الواضح للرئيس الأميركي دونالد ترامب للوصول إلى اتفاق وتجنُّب العودة إلى الخيارات العسكرية. أمَّا الفشل في الساحة اللبنانية، فهو أكثر إحباطاً؛ إذ لم تدرك إسرائيل أن استمرار الضربات العسكرية، مهما تكن مبرَرة من وجهة نظرها، فإنه يخدم حزب الله والجهة الراعية له (إيران). كما أنها لم تتعامل بحكمة سياسية مع الفرص الاستراتيجية التي وفرتها لها الحكومة اللبنانية.
• وعلى الرغم من ضعف لبنان، فإنه ينتهج خلال الأشهر الأخيرة سياسة أكثر تشدداً إزاء حزب الله وإيران، حتى وإن كان معظمها ذا طابع سياسي وتصريحي. بل إن الحكومة اللبنانية وافقت على إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في محاولة يائسة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، بهدف تنفيذ أجندة تقوم على إضعاف حزب الله وإبعاد النفوذ الإيراني عن لبنان.
• صحيح أن إسرائيل ينبغي لها عدم التخلي عن ممارسة الضغط العسكري على حزب الله - ولا تستطيع ذلك - لكنها مطالَبة بأخذ عدة عوامل في الحسبان: الهامش المحدود الذي يمنحها إياه الرئيس ترامب في لبنان، والحقيقة التي يكررها المستوى العسكري الإسرائيلي، وهي أنه لا يوجد حل عسكري خالص لمسألة حزب الله في لبنان.
• كما يتعين على إسرائيل أن تأخذ بعين الاعتبار التطورات الداخلية المهمة في لبنان، بالإضافة إلى الدعم الواسع الذي يحظى به خيار المفاوضات المباشرة داخل البلاد. ويمكن القول إن فكرة السلام مع إسرائيل لم تعد من المحرمات المطلقة داخل المجتمع اللبناني، بَيْدَ أنه من الصعب جداً اليوم فصل العلاقة بين إيران وحزب الله، وخصوصاً أن الإدارة الأميركية نفسها تبنَّت هذا الربط خلال مفاوضاتها مع طهران. ولذلك، يتعين على إسرائيل أن تتبنى الرؤية الأميركية بشأن وقف إطلاق النار، سواء مع إيران أو في الساحة اللبنانية بصورة خاصة.
• وفي اعتقادي، فإن وقف إطلاق النار في لبنان، حتى لو كان من جانب واحد، يخدم مصالح إسرائيل والولايات المتحدة أكثر مما يخدم حزب الله وإيران، كما أن استعداد إسرائيل لاتخاذ خطوة كهذه، مع توجيه تحذير واضح بأن أي خرق اللهدنة سيؤدي إلى ردٍ قاسٍ، من شأنه أن يضع حزب الله وإيران أمام معضلة، ويزيد من الضغوط الداخلية اللبنانية المطالِبة بنزع سلاح الحزب.
• وفي جميع الأحوال، قد تستفيد إسرائيل من هذه الخطوة حتى لو لم يصمد وقف إطلاق النار لفترة طويلة؛ فتعطيل استراتيجيا الوكلاء الإيرانية، ولا سيما فصل إيران عن لبنان، يتطلب عمليات طويلة الأمد تركز على تعزيز الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
• لبنان يعلن بوضوح استعداده للسير في هذا المسار، لكن السؤال: هل الحكومة الإسرائيلية قادرة على استيعاب الفرصة الاستراتيجية المطروحة أمامها على الرغم من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها حتى الآن؟ أشك في ذلك.
المصدر: معاريف
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية