فؤاد بوجي
لطالما سمعت هذه العبارة تتردد على ألسنة اللبنانيين في الداخل والاغتراب: «أعطونا السلام وخذوا ما يدهش العالم». وفي كل مرة كنت أسمعها، كنت أعتبرها شيئاً من المبالغة التي اعتدناها في وصف قدرات اللبنانيين وإمكاناتهم. لكن مشهد افتتاح مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات أعاد إلى ذهني هذه العبارة بكل تفاصيلها، وجعلني أتساءل: إذا كان لبنان قادراً على تحقيق هذا الإنجاز وسط ظروف أمنية واقتصادية بالغة الصعوبة، فكيف سيكون حاله لو حظي فعلاً بفرصة سلام واستقرار حقيقيين؟
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ومع استمرار التوترات الأمنية وتداعيات الحرب في الجنوب، نجحت الحكومة برئاسة دولة الرئيس نواف سلام في تحقيق خطوة انتظرها اللبنانيون لعقود طويلة. فمطار رينيه معوض لم يكن مجرد مشروع بنية تحتية مؤجل، بل أصبح رمزاً لما يمكن أن ينجزه لبنان عندما تتوافر الإرادة السياسية والقرار التنفيذي.
سنوات طويلة بقي المشروع أسير الدراسات والوعود والخلافات والظروف الاستثنائية. لكن افتتاحه اليوم يثبت أن كثيراً من المشاريع التي اعتدنا اعتبارها مستحيلة ليست كذلك في الواقع، بل إن ما كان ينقصها هو الاستقرار والقرار.
ولعلّ أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في كونه يفتح بوابة جوية جديدة للشمال اللبناني، بل في الرسالة التي يحملها. فلبنان الذي تمكّن من إنجاز هذا المشروع رغم أزماته المتراكمة، يملك في الحقيقة عشرات المشاريع الأخرى القادرة على تغيير وجه الاقتصاد الوطني إذا ما توفرت البيئة المناسبة.
يكفي أن نتخيّل للحظة لبنان خارج دائرة الحروب والتوترات الأمنية. كم من المشاريع المعلقة يمكن أن تبصر النور؟ كم من الاستثمارات العربية والدولية يمكن أن تعود؟ كم من المناطق المحرومة يمكن أن تتحوّل إلى مراكز جذب اقتصادي وسياحي وإنمائي؟
من الشمال إلى البقاع والجنوب، لا تعاني المناطق اللبنانية من نقص في الإمكانات، بل من نقص في الاستقرار. فالبقاع يمتلك مقومات زراعية وصناعية وسياحية ضخمة، والجنوب يمتلك قدرات بشرية واقتصادية هائلة، والشمال يملك موقعاً استراتيجياً يمكن أن يجعله منصة لوجستية وتجارية متقدمة على مستوى شرق المتوسط.
وإذا كانت سوريا قد بدأت خلال الأشهر الماضية مساراً متسارعاً لإعادة تأهيل بنيتها التحتية واستقطاب الاستثمارات والانفتاح الاقتصادي، فإن لبنان لا يفتقر إلى الإمكانات التي تسمح له بمواكبة هذه التحوّلات، بل ربما يمتلك في بعض المجالات ميزات تنافسية إضافية. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تبقى مرتبطة أولاً وأخيراً بقدرة الدولة على تثبيت الاستقرار وتحييد الاقتصاد عن الصراعات.
إن افتتاح مطار الرئيس رينيه معوض يجب ألا يُنظر إليه كإنجاز منفصل أو استثنائي، بل كنموذج لما يمكن أن يحدث عندما تنتصر لغة البناء على لغة التعطيل. فالمطار الجديد يجب أن يكون بداية مسار لا نهايته، وخطوة أولى نحو إطلاق مشاريع مماثلة في مختلف المناطق اللبنانية، بحيث يشعر كل مواطن بأن التنمية ليست امتيازاً لمنطقة دون أخرى، بل حقاً وطنياً شاملاً.
في النهاية، لا يطلب اللبنانيون المستحيل. بعد عقود من الحروب والأزمات والانهيارات والفرص الضائعة، يبدو مطلبهم أكثر بساطة من أي وقت مضى: يريدون دولة تعمل، ومؤسسات تنتج، واقتصاداً ينمو، ومستقبلاً يمكن التخطيط له. لقد تعب اللبنانيون من الحروب ومن انتظار التسويات ومن العيش على وقع الأزمات المتتالية. إنهم يريدون السلام، لا كشعار سياسي، بل كفرصة حقيقية للحياة.
وعندها فقط، ربما يكتشف العالم أن العبارة التي رددها اللبنانيون طويلاً لم تكن مبالغة على الإطلاق: أعطونا السلام... وخذوا ما يدهش العالم.