د. علي فاعور
لم تعد التطورات الجارية في جنوب لبنان منذ عام 2024 تُقرأ باعتبارها مجرد مواجهة حدودية أو تصعيداً عسكرياً ظرفياً. فمع اتساع نطاق التدمير والإخلاءات، وتحوّل أجزاء واسعة من الجنوب إلى مناطق شبه خالية من السكان، برز مسار متدرّج لإعادة هندسة المجال الجنوبي أمنياً وجغرافياً. وفي موازاة ذلك، تتصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية على لبنان لدفعه نحو مسار تفاوضي جديد، ما يجعل الجنوب يعيش اليوم تقاطعاً معقّداً بين الحرب وإعادة رسم النفوذ والضغط السياسي.
وتزداد خطورة هذه التحوّلات لأنّها تجري في لحظة لبنانية شديدة الهشاشة، حيث يعاني البلد من انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، وتراجع في قدرات الدولة، وتصاعد الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية، ما يحدّ من قدرة لبنان على حماية مجاله الجغرافي أو مواجهة محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.
من الشريط الحدودي إلى المنطقة الأمنية الموسّعة
تكشف الوقائع الميدانية الراهنة أن الأطماع التوسعية لم تعد محصورة في شريط حدودي ضيق ملاصق للحدود الجنوبية، بل تحوّلت تدريجياً إلى نطاق متدرّج يمتد شمالاً داخل العمق الجنوبي. فبعد تدمير واسع شمل معظم قرى الخط الأول جنوب الليطاني، بدأت منذ آذار 2026 مرحلة جديدة من الإنذارات والإخلاءات المتكررة باتجاه مناطق أعمق شملت محيط النبطية وجبل الريحان وقطاعات واسعة بين الليطاني والزهراني.
وبذلك لم يعد الجنوب يعيش فقط حالة تماس عسكري عند الحدود، بل بات يواجه إعادة توزيع السيطرة داخل المجال الأمني عبر إنتاج طبقات متتالية من الهشاشة الأمنية: منطقة شبه محظورة في القرى الأمامية، وأحزمة داخلية تخضع للضغط المستمر، ومناطق أعمق تعيش حالة عدم استقرار دائم بفعل التهديد المتكرر بالقصف والإخلاء.
ويعكس هذا التحوّل انتقالاً من نموذج الاحتلال المباشر إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على فرض وقائع ميدانية تعرقل الاستقرار وإعادة الإعمار والعودة الطبيعية للسكان، من دون الحاجة إلى سيطرة عسكرية دائمة على كامل الأرض.
الجغرافيا الحاكمة: المرتفعات والمياه والعقد الاستراتيجية
لا يتحرك هذا التوسّع بصورة عشوائية، بل يرتبط بوضوح بالبنية الجغرافية للجنوب اللبناني. فالضغط الميداني يتركّز بصورة لافتة حول المرتفعات المشرفة، والعقد الطوبوغرافية، والأحواض المائية، ومحاور الحركة الرابطة بين الساحل والداخل.
وتبرز أهمية المرتفعات الممتدة بين النبطية وجبل الريحان، والمشرفات المطلّة على القطاعين الغربي والشرقي، والمرتفعات المرتبطة بقطاع العرقوب وحاصبيا، باعتبارها مواقع تمنح قدرة على الإشراف والتحكم بالممرات الداخلية والأودية ومحاور الربط بين مناطق الجنوب.
خريطة الليطاني: الأحزمة الأمنية الممتدة من الحدود الجنوبية نحو العمق في أحواض الليطاني والحاصباني والزهراني. كما أن التوسّع الميداني يتقاطع مع أحواض مائية ذات أهمية استراتيجية، ولا سيّما الليطاني والحاصباني والوزاني، وهي عناصر لم تكن يوماً مجرد موارد طبيعية عادية في الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بجنوب لبنان. فمنذ بدايات القرن العشرين حضرت هذه الموارد ضمن التصورات التوسعية المرتبطة بإعادة رسم الحدود والنفوذ في المنطقة.
وتكتسب هذه الخلفية أهمية خاصة عند العودة إلى مذكرة حاييم وايزمان عام 1919 التي طالبت بتوسيع الحدود شمالاً وصولاً إلى الليطاني، ما يكشف أن بعض عناصر الجغرافيا الجنوبية كانت حاضرة منذ وقت مبكر ضمن تصورات استراتيجية تتجاوز مجرد حماية الحدود.
خطاب أمني قديم بمسمّيات جديدة
يُقدَّم التوسّع الميداني اليوم تحت عناوين مثل «حماية الشمال» و«الدفاع عن الحدود» و«إزالة التهديدات»، غير أن هذا الخطاب ليس جديداً في تاريخ الصراع مع لبنان. فقد سبق أن جرى اجتياح لبنان عام 1982 تحت عنوان «سلامة الجليل»، كما قُدّمت عملية «تصفية الحساب» عام 1993، وعملية «عناقيد الغضب» عام 1996، ضمن خطاب دفاعي مشابه.
لكن التجارب التاريخية أظهرت أن العمليات التي بدأت تحت شعارات أمنية تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مشاريع لإعادة صياغة الوظيفة الحدودية وفرض وقائع طويلة الأمد على الأرض. فاحتلال عام 1978 وما تلاه أدّى إلى إنشاء حزام أمني وقُسّم خلالها الجنوب إلى نطاقات متدرّجة الوظيفة: مناطق حدودية معزولة، وأخرى محجوزة في مواجهة الاحتلال لتوفير حماية إضافية للمستوطنات الشمالية. وقد شملت هذه المنطقة عشرات القرى والبلدات، وتسببت في تهجير واسع النطاق وتفكيك البنية السكانية للجنوب على امتداد أكثر من عشرين عاماً حتى الانسحاب عام 2000. واليوم تتكرر أنماط مشابهة، ولكن بأدوات أكثر مرونة وتعقيداً، حيث يجري إنتاج حدود فعلية جديدة للاستخدام والحركة والسكن داخل الأراضي اللبنانية من دون إعلان رسمي عن تعديل الحدود الدولية.
الإفراغ السكاني كأداة لإعادة تشكيل الجنوب
يشكّل الإفراغ السكاني أحد أخطر التحوّلات الجارية في الجنوب اللبناني. فالمسألة لم تعد تقتصر على نزوح مؤقت مرتبط بالعمليات العسكرية، بل باتت ترتبط بتحويل أجزاء واسعة من الجنوب إلى فضاءات منخفضة الكثافة السكانية ومحدودة الوظيفة المدنية.
وتكشف التجربة الحالية أن القصف الواسع، وتكرار الإنذارات، واستهداف البنية السكنية والخدماتية، تؤدي مجتمعة إلى تقويض شروط الحياة الطبيعية في القرى الجنوبية، ما يدفع السكان إلى النزوح الطويل الأمد أو يمنعهم من العودة والاستقرار. ومع اتساع نطاق التدمير، تتحول بعض المناطق تدريجياً إلى أحزمة شبه فارغة تشكّل امتداداً وظيفياً للمنطقة الأمنية.
ويكتسب هذا الواقع أبعاداً أكثر خطورة إذا ما قورن بالتجارب السابقة، ولا سيما خلال فترة الاحتلال بين 1978 و2000، حين تشتت مئات آلاف الجنوبيين بفعل الحرب والاحتلال والتهجير المستمر. واليوم، يبدو أن الجنوب يواجه مجدّداً خطر التحوّل إلى مجال هش يخضع لدورات متكررة من الإفراغ وإعادة التنظيم.
من الحدود القانونية إلى الحدود الوظيفية
رغم أن الحدود اللبنانية – الفلسطينية تُعدّ من أكثر الحدود تثبيتاً في المنطقة منذ اتفاقية بوليه – نيوكومب وإقرارها من قبل عصبة الأمم عام 1924، فإن الوقائع الميدانية الراهنة تشير إلى انتقال الصراع من محاولة تعديل الحدود القانونية إلى فرض حدود وظيفية جديدة داخل الأراضي اللبنانية نفسها.
فالخط الأزرق الذي رُسم عام 2000 كخط للتحقق من الانسحاب، تحوّل لاحقاً إلى أساس لسلسلة من الخطوط والمناطق والإحداثيات الأمنية المتحركة التي يعاد إنتاجها اليوم بصورة أكثر اتساعاً. وبهذا المعنى، لا يجري تعديل الحدود رسمياً، بل إعادة تعريف حدود الاستخدام والسيطرة والنفوذ داخل المجال الجنوبي.
ويُعدّ هذا التحوّل من أخطر ما يواجهه الجنوب اللبناني، لأن السيطرة لم تعد مرتبطة بالاحتلال التقليدي المباشر، بل بالقدرة على التحكّم بوظيفة المجال نفسه: من يستطيع العودة؟ أين يمكن البناء؟ ما هي المناطق المسموح استخدامها؟ وما هي القطاعات التي تتحوّل إلى فضاءات محظورة أو خاضعة للرقابة الدائمة؟
التفاوض تحت النار
تكمن خطورة المرحلة الحالية أيضاً في التزامن بين إعادة تشكيل الوقائع الميدانية وبين تصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية على لبنان لدفعه نحو مسار تفاوضي جديد مع إسرائيل، في وقت تتواصل فيه الاعتداءات اليومية على مناطق الجنوب والبقاع، وتتوسّع عمليات القصف والاستهداف والإخلاء. ويعكس هذا التزامن محاولة واضحة لربط إعادة توزيع النفوذ على الأرض بمسار سياسي - تفاوضي يجري تحت ضغط الميدان واختلال موازين القوى.
وفي هذا السياق، تتكثف المساعي الأميركية لإعادة فتح قنوات التواصل بين لبنان وإسرائيل، في مشهد يعيد إلى الأذهان المناخ الذي أعقب اجتياح عام 1982 حين جرى الانتقال من الاحتلال العسكري الواسع إلى مفاوضات انتهت بتوقيع اتفاق 17 أيار 1983. واليوم، ورغم اختلاف الظروف الإقليمية والدولية، تتجدّد محاولات دفع لبنان نحو إعادة ترتيب العلاقة مع إسرائيل تحت عناوين أمنية وسياسية متعددة، مستفيدة من هشاشة الوضع اللبناني والانهيار الاقتصادي والمالي والضغوط الخارجية المتزايدة. وقد بدأت هذه المساعي عملياً عبر لقاءات واتصالات على مستويات دبلوماسية مختلفة، غير أن لبنان الرسمي يربط أي بحث من هذا النوع بوقف الاعتداءات أولاً، والانسحاب من الأراضي اللبنانية، وإنهاء واقع الاحتلال والضغط العسكري، قبل الانتقال إلى أي نقاش سياسي أو تفاوضي حول ترتيبات لاحقة.
وتكشف هذه التطورات أن الوقائع الميدانية لم تعد منفصلة عن المسار السياسي، بل باتت تُستخدم كأدوات ضغط في أي نقاش يتعلق بالحدود أو الأمن أو طبيعة العلاقة بين لبنان وإسرائيل. فكلما اتسعت المنطقة الأمنية بحكم الأمر الواقع وتزايد الإفراغ السكاني، ازدادت قابلية تحويل هذه الوقائع إلى عناصر تفاوضية لاحقة.
وتكمن خطورة المرحلة الحالية في أن الجنوب يواجه، للمرة الجديدة، خطر التحول من مجال مأهول ومنتج ومندمج في المجال الوطني اللبناني إلى فضاء أمني هش تُعاد صياغة وظيفته تحت ضغط الحرب والوقائع الميدانية والضغوط السياسية الخارجية.
جنوب لبنان: جغرافية الاستنزاف المفتوح
إن ما يواجهه جنوب لبنان اليوم لا يمكن فصله عن مسار تاريخي طويل من الحروب والاحتلالات ومحاولات إعادة تنظيم المجال الحدودي بالقوة. فمن اجتياح 1978 إلى احتلال 1982، ومن «تصفية الحساب» و«عناقيد الغضب» إلى الاعتداءات الراهنة، ظل الجنوب يعيش ضمن دائرة مفتوحة من التدمير والإفراغ وإعادة تشكيل المجال.
غير أن المرحلة الحالية تبدو أكثر خطورة بسبب اتساع نطاق التحولات الجارية، وتداخل البعد الأمني مع الجيوسياسي، وتزامنها مع لحظة انهيار لبناني داخلي عميق. ولذلك فإن مستقبل الجنوب لم يعد يرتبط فقط بوقف العمليات العسكرية، بل بقدرة لبنان على منع تحويل الوقائع الميدانية المؤقتة إلى ترتيبات دائمة تعيد رسم الجغرافيا والسيادة ووظيفة الجنوب لعقود مقبلة.
وفي هذا السياق، يصبح الدفاع عن الجنوب دفاعاً عن المجال الوطني اللبناني نفسه، وعن حق السكان في البقاء داخل أرضهم، وعن الحفاظ على الحدود المعترف بها دولياً في مواجهة محاولات إعادة تعريفها تدريجياً عبر القوة والضغط والتفاوض غير المتكافئ.
* رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية