بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 أيار 2026 12:10ص لبنان في «إعلان إسلام آباد»: دخول التهدئة حيز التنفيذ.. أم بداية التفويض الإسرائيلي بالاستفراد؟

حجم الخط
يتأرجح مصير لبنان في أعقاب «إعلان إسلام آباد» بين انفجار ميداني مفتوح على كافة الاحتمالات، أو خضوعه لترتيبات تسوية دولية كبرى تُصاغ خلف كواليس القرار الدولي. وتشير معطيات مصادر مطّلعة على مسار التفاوض إلى أن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران عبر القناة الباكستانية تتضمن بنوداً تقضي بإنهاء العمليات العسكرية في لبنان كجزء من سلة تفاهمات إقليمية أوسع لخفض التصعيد.
إدراج الساحة اللبنانية في صلب هذه الاتفاقية فجّر صراع إرادات حاداً يضع المنطقة أمام مشروعين؛ الأول إيراني - عربي بدعم فرنسي يصرّ على ربط تهدئة في المنطقة بوقف حرب لبنان، والثاني إسرائيلي تدعمه أطراف واشنطن يسعى لفصل الساحات.
تنظر إدارة ترامب إلى الاتفاق بوصفه مصلحة حيوية للاقتصاد العالمي، وتسعى لفرض تهدئة إقليمية شاملة تمنع انفجار أسعار النفط، مع الاحتفاظ بحق إسرائيل في الرد إذا خُرق التفاهم. وفي المقابل، نجحت الدبلوماسية الإيرانية بالتكامل مع ضغوط عربية وفرنسية قادها إيمانويل ماكرون، في انتزاع اعتراف أميركي بأن استمرار الحرب في لبنان كفيل بتفجير أي تفاهم. غير أن هذا المسار يصطدم بالرفض الإسرائيلي الحاد؛ إذ يعارض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشدّة شمول لبنان بالاتفاق، محذّراً من أنه يمنح حزب الله فرصة لإعادة التسلح، ومطالباً بفصل الساحة اللبنانية لإنهاء التهديد العسكري الشمالي بشكل منفرد ومستدام.

• أثر التفاهم الإيراني - الأميركي على لبنان

تفرض بوادر التفاهم الأخير بين طهران وواشنطن تساؤلاً محورياً يقلب موازين القوى؛ فبينما اعتبر البعض أن العقوبات الأميركية الأخيرة التي استهدفت البنية الداعمة للحزب قد منحت الدولة اللبنانية أوراق قوة إضافية في المفاوضات، يأتي هذا التقارب الإيراني - الأميركي ليجهض تلك الرهانات بالكامل، ليتضح اختلال التوازن بين التكتيكي والاستراتيجي.

• الحصار المركّب وآليات التجفيف المالي

لم يكن التلويح بفصل المسار اللبناني عن التهدئة الإقليمية خطوة معزولة، بل جرى التمهيد له عبر هندسة ضغوط مركّبة ومتعددة الطبقات ضد البيئة الحاضنة والمؤسساتية في لبنان، بهدف إضعاف الموقف التفاوضي لحزب الله والدولة اللبنانية على حدٍّ سواء. ولم تعد العقوبات الأميركية مقتصرة على الأجنحة العسكرية والمالية لحزب االله، بل امتدت لتشمل نواباً ومسؤولين تنفيذيين وأمنيين في أجهزة رسمية، فضلاً عن استهداف قنوات الاتصال الدبلوماسية الإيرانية في بيروت.
غير أن المفاجأة الصاعقة كانت شمول العقوبات أقرب شخصين من الدائرة الضيقة للرئيس نبيه بري، الذي يتولى عملياً هندسة عملية التفاوض. الهدف البنيوي من هذه الحزمة العنيفة هو عزل قنوات الاتصال الرسمية، وشلّ قدرة عين التينة على المناورة السياسية، وحرمانها من تقديم تسويغات تسوية للنظام المالي الدولي عبر الضغط المالي المباشر على مفاصل القرار اللبناني.
وبالتوازي مع ذلك، فرضت الخزانة الأميركية قيوداً صارمة على التحويلات المالية الوافدة عبر القطاع المصرفي وشركات تحويل الأموال، وملاحقة شبكات الصيرفة البديلة. أفضى هذا التجفيف إلى اختناق معيشي واقتصادي غير مسبوق داخل البيئات الحاضنة، رافقه تدمير بنيوي هائل طال المدن والقرى وتصاعدت معه أزمة النزوح الداخلي، وتوسّعت الانتقادات الداخلية جراء الانهيار المالي وتراجع المساعدات الحيوية.

• عقيدة «الحرب تحت سقف التفاوض» والأهداف الإسرائيلية

على الأرض، تُترجم إسرائيل معارضتها للتسوية الإقليمية الشاملة عبر إستراتيجية عسكرية هجومية تُعرف بـ«الحرب تحت سقف التفاوض»، إذ تعتبر تل أبيب أن التفاوض الجاري لا يفرض قيوداً على حركتها الميدانية. وتسعى تل أبيب إلى تحقيق ثلاثة أهداف بنيوية مترابطة:
1. إنشاء منطقة أمنية عازلة: تحاكي الشريط الحدودي السابق، لكن عبر الرقابة الجوية والمسيّرات الساكنة والاغتيالات المركّزة وتدمير طرق الإمداد، لا عبر الاحتلال البري التقليدي.
2. تفكيك القدرات الردعية الدقيقة: باستئصال ترسانة المسيّرات الانقضاضية والصواريخ ذات التوجيه الدقيق بعيدة المدى التي تهدّد الموانئ والمطارات ومنصات الغاز الإسرائيلية في المتوسط.
3. التوظيف السياسي للاستنزاف الداخلي: بالرهان على أن استدامة الدمار وتعميق أزمة النزوح سيدفعان البيئة اللبنانية المنهكة نحو مواقف أكثر عدائية ضد استمرار الحرب، مما يُجرّد حزب الله من غطائه الوطني والشعبي.

• السيناريوهات الثلاثة ومستقبل الاستقرار

بناءً على التدافع السياسي ومضامين المذكرة المتداولة في دوائر التفاوض، يمكن حصر آفاق المرحلة المقبلة في ثلاثة مسارات إستراتيجية:
- السيناريو الأول (هدنة الـ60 يوماً الهشّة): تفرض واشنطن وقفاً مشروطاً لإطلاق النار يمتد لشهرين يتزامن مع خطة فتح الممرات المائية في الخليج، ممتداً ليشمل العمليات بين إسرائيل وحزب الله كإجراء مؤقت لمنع انفجار إقليمي شامل يهدد أسواق الطاقة. لكن الخطر الجوهري يكمن في البند الذي يسمح لإسرائيل باتخاذ إجراءات في لبنان إذا حاول الحزب إعادة تسليح نفسه.
- السيناريو الثاني (استثناء لبنان وعزل الساحات): يمثّل هذا المسار الانتصار الكامل للمشروع الإسرائيلي وأطراف الصقور في واشنطن؛ إذ توقّع الولايات المتحدة اتفاقاً ثنائياً مجزأً مع طهران يضمن أمن مصالح الطاقة في الخليج، مع ترك الساحة اللبنانية خارج المظلة الحمائية. في هذه الحالة، ستعتبر تل أبيب أنها تملك تفويضاً ومظلة زمنية ذهبية للتركيز بالكامل على حزب االله، مما يؤدي إلى تصعيد عسكري بري وجوي غير مسبوق دون خشية من حرب إقليمية شاملة مع طهران.
- السيناريو الثالث (التسوية الكبرى والصفقة الشاملة): يتضمن هذا المسار صياغة اتفاقية مستدامة تتجاوز وقف القتال إلى فرض ترتيبات جيوسياسية جديدة: انسحاب حزب الله شمال الليطاني، وانتشار كثيف للجيش اللبناني مدعوماً باليونيفيل وآليات مراقبة دولية صارمة، وبدء مفاوضات لترسيم الحدود وحل النزاع حول النقاط الـ13 ومزارع شبعا. يصطدم هذا المسار بعقبات هيكلية جراء غياب الضغط الأميركي الكافي على نتنياهو، ورفض الحزب لأي بنود تمسّ ترسانته الإستراتيجية.

• عقيدة حزب الله في الاستنزاف الطويل

في الميدان المقابل، لا تبدي القيادة العسكرية لحزب الله أي مؤشرات على الانكفاء أو الصمود الدفاعي البحت، بل تكشف المعطيات عن تبنّيه عقيدة استنزاف ممنهجة وعميقة الأثر.

• الخطوات المطلوبة من الدولة اللبنانية

أمام هذه الحقائق، يتوجب على صانع القرار اللبناني التخلي عن سياسة الانتظار والترقب السلبي، والتحرك وفق مسارات دبلوماسية وأمنية مستقلة:
- الخطوة الأولى: تفعيل الشراكة مع المبادرة العربية والاستناد إلى الثقل السياسي للعواصم الخليجية في اتصالاتها مع البيت الأبيض، والضغط لربط أي تهدئة في الخليج بوقف حقيقي ومتزامن لإطلاق النار في الجنوب اللبناني، مستفيدين من الموقف الفرنسي الضاغط بذات الاتجاه.
- الخطوة الثانية: تحصين المؤسسات السيادية عبر فصل حاسم بين مؤسسات الدولة الرسمية والأنشطة الحزبية، لمنع الانهيار الهيكلي الكامل وحماية الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية كركيزة أخيرة للاستقرار الداخلي ومنع العزلة الدبلوماسية.
- الخطوة الثالثة: صياغة إستراتيجية طوارئ وطنية شاملة لمواجهة موجات النزوح وتأمين سلاسل توريد مستقلة للغذاء والطاقة والدواء، ضماناً لصمود البنية المجتمعية في حال تحقق سيناريو الاستفراد الميداني وتمدد أمد المواجهة.

• هل الاتفاق يحمي لبنان؟

تحوّل لبنان بفعل المعطيات الراهنة إلى العقدة الأكثر حساسية في المشهد الإقليمي، وحجر الزاوية الذي يحدد نجاح أو فشل التفاهم الأميركي - الإيراني برمّته. بات مصير الحرب مرتبطاً بالتوجه الحقيقي لواشنطن: هل تريد تهدئة إقليمية شاملة ومستدامة، أم تكتفي بحماية الخليج ومصالح الطاقة مع ترك الساحة اللبنانية مكشوفة؟
الخطر الوجودي الحقيقي على الكيان اللبناني لا يكمن في فشل المفاوضات الأميركية - الإيرانية، بل في نجاحها بصيغة مجزأة تفصل بين المركز الإيراني وأطرافه الميدانية. كلما نجحت واشنطن وطهران في تثبيت قواعد اشتباك باردة في مياه الخليج واطمأنت إسرائيل إلى خروج العمق الإيراني من معادلة الردع المباشر، واحتفظت بحق الخرق والتدخل تحت مسمى منع التسلح، ازدادت احتمالات تحوّل لبنان إلى ساحة التصفية الأخيرة للحسابات الدولية بالوكالة، مما يضع البنية السياسية والعسكرية والاجتماعية للدولة اللبنانية أمام خطر التفكك والانهيار البنيوي الشامل.