بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 حزيران 2026 12:00ص لبنان ليس قلب أحد.. ولا ساحة لأحد

حجم الخط
​ محمد جارودي 

​في خضم الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، جاءت العبارة المنسوبة إلى السفارة الإيرانية في بيروت: «لبنان هو قلب إيران»، لتثير موجة واسعة من الجدل والاستياء. وفي السياسة، لا تُقرأ الكلمات بالنوايا العاطفية، بل بالدلالات والرسائل التي تحملها، خصوصاً عندما تصدر عن بعثة دبلوماسية تمثل دولة أجنبية على أرض دولة عانت لعقود من صراعات النفوذ.
​وهنا يبرز السؤال الجوهري والملحّ: متى كان لبنان قلب إيران، وتاريخ العلاقة ومجرياتها الواقعية لم يورثا هذا البلد سوى الانقسام والعزلة؟
​الحقيقة التي يتهرب منها الكثيرون هي أن الدعم الذي تقدمه طهران ليس موجهاً للدولة اللبنانية أو لمؤسساتها الجامعة، بل هو دعم فئوي أحادي ومسلّح لفئة معينة من اللبنانيين على حساب الآخرين. وحين تستقوي فئة بالخارج وتفرض أجندته على الداخل، تصبح النتيجة الطبيعية هي صدام اللبنانيين وتقاتلهم مع بعضهم البعض، وتآكل هيبة الدولة التي من المفترض أن تكون الحاضنة والناظمة للجميع.
​إن خطورة هذا النهج لم تتوقف عند حدود الداخل، بل امتدت لتضرب العمق الحقيقي للبنان: انتماؤه ومحيطه العربي. لقد تحول لبنان، بسبب ارتهان بعض أطرافه للمشروع الإقليمي الإيراني، إلى منصة للاعتداء اللفظي والسياسي، وأحياناً الأمني، على الدول العربية الشقيقة، وتحديداً دول الخليج العربي. هذا المحيط الذي طالما كان السند الاقتصادي والسياحي والسياسي للبنان في أحلك ظروفه، وجد نفسه مستهدفاً من داخل بيروت، مما تسبب في جلب عداوات مجانية للبنان وعزله عن فضائه الطبيعي، ودفع الشعب اللبناني بأكمله أثماناً باهظة من استقراره ولقمة عيشه.
​لبنان ليس قلب إيران، كما أنه ليس قلب أي دولة أخرى. العلاقات الطبيعية بين الدول تقوم على احترام السيادة، والتعاون عبر القنوات الرسمية والشرعية، ودعم الجيش والمؤسسات، لا عبر رعاية الكيانات الموازية للدولة. إن الصداقة الحقيقية لا تحتاج إلى لغة الامتلاك الرمزي، بل إلى مواقف تحترم خصوصية الوطن وحق شعبه في تقرير مصيره.
​اليوم، يحتاج لبنان أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب يجمع أبناءه حول مفهوم «المواطنة» لا «المحاور»، وحول الولاء للدولة لا الارتهان للخارج. لبنان هو قلب اللبنانيين جميعاً، ولن ينهض من كبوته إلا عندما يدرك الجميع أن المصلحة الوطنية والعمق العربي هما طوق النجاة الوحيد، وأن التضحية بسيادة الوطن من أجل مشاريع خارجية لم تكن يوماً دليلاً على الحب، بل كانت دائماً طريقاً للخراب.