بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 أيار 2026 12:00ص لبنان... وطنٌ يسكنه نصفه، ويحيا نصفه الآخر في «الشتات»

حجم الخط
تصرخ الأرقام اليوم بحقيقة مدوية تتجاوز لغة الإحصاء الجافة؛ إذ يُقدّر عدد اللبنانيين المقيمين داخل الحدود بنحو 4 إلى 5 ملايين نسمة يصارعون للبقاء، في حين يتوزع نحو 1.8 مليون مغترب يحملون الهوية الرسمية في أصقاع الأرض، بينما يقفز الرقم ليصل إلى نحو 15 مليوناً من «المنتشرين» من أصول لبنانية عبر الأجيال. إن هذه الأرقام ليست مجرد بيانات وإحصاءات، بل هي رسالة عميقة تقول إن لبنان اليوم يعيش خارج جغرافيته بقدر ما يعيش داخلها، بل ربما أكثر، في مشهد استثنائي لوطنٍ يصدّر أثمن ما يملك: الإنسان.
إن تفوّق عدد المنتشرين على المقيمين يعكس حجم الانهيارات المتتالية، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، التي حوّلت الهجرة من طموح شخصي إلى «هروب جماعي» اضطراري، حيث باتت الحقائب هي الملاذ الأخير للشباب والكفاءات بحثاً عن استقرار سلبته الأزمات، وفرصٍ وُئدت في مهدها. هذا النزيف المستمر يمثل إنذاراً صريحاً بتآكل النسيج الوطني وتفريغ البلاد من طاقتها المحركة، لكنه في قلب المأساة يختزن فرصة تاريخية غير مستغلة؛ فالمنتشر اللبناني الذي أثبت ريادته في أرقى المحافل الدولية، يمثل قوة إنقاذ حقيقية قادرة على قلب الموازين إذا ما وُجدت الإرادة السياسية لبناء جسور ثقة حقيقية معه.
إن تحويل العلاقة مع الاغتراب من مجرد «تحويلات مالية» لسد رمق عائلته، إلى شراكات فاعلة وسياسات جدّية، سيحوّل هذا الانتشار من رمز للفقد والشتات إلى رافعة اقتصادية وخزان معرفي يسهم في إعادة الإعمار واستعادة الثقة بالدولة.
وبين داخلٍ يكافح للبقاء، وخارجٍ يبني أوطاناً غريبة، يبقى السؤال الجوهري الذي يطاردنا جميعاً: كيف نحول «الانتشار» من نتيجة حتمية للأزمة إلى جسرٍ حقيقي للعبور نحو الخلاص، قبل أن يتحوّل الوطن في قلوب أبنائه إلى مجرد ذكرى تتلاشى مع تقادم الأجيال؟