من المصادفة اليوم أنّنا بتاريخ ٢٥ أيار ٢٠٢٦، ولا يزال البعض يصرّ على الاحتفال بعيد «المقاومة والتحرير» كما هي الحال منذ العام ٢٠٠٠.
علماً أنّ ليس المهمّ أن نحصل على الاستقلال، بل الأهمّ أن نحافظ عليه.
وليس المهمّ أن نحصل على «التحرير» بل أن نحافظ عليه.
كلّنا يتذكّر مرحلة العام ٢٠٠٠ ووعد إيهود باراك للإسرائيليّين أنّه بحال وصل الى رئاسة الوزراء سيسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان دون التنسيق مع أحد.
وهذا ما حصل وهذا ما نفّذه باراك، ولو تحت ضربات «المقاومة» كما صُوِّرَت الحال حينها.
على كلٍّ، رحّب مجمَل الشعب اللبناني بخروج الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان أيّما كانت أسباب هذا الانسحاب. ولم يعترض اللبنانيّون على إدخال يوم ٢٥ أيار مِن كلّ سنة في روزنامة الأعياد الوطنيّة تحت مسمّى عيد «المقاومة والتحرير»، علماً أنّ الأخلاقيّات الوطنيّة والتواضع كانا يفترضان أن تكون التسمية «عيد التحرير» فقط كما إسم «عيد الاستقلال»، لأن إضافة كلمة «مقاومة» كان للاستكبار على باقي المكوّنات وللاستغلال السلطويّ الداخلي.
وبكلّ الأحوال، كان من المفترض، كون «التحرير» قد تمّ يومها، أن يُسَلِّم «حزب االله» سلاحه للدولة اللبنانيّة فَتَنصَرِف قيادته وعناصره الى العمل السياسي إِسوةً بباقي الأحزاب اللبنانيّة.
وللتوضيح، لا بدّ من تذكير جميع اللبنانيّين بحقيقة أنّ مصطلح تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا لم يكن يوماً موجوداً في سرديّة «حزب االله» قبل خروج الجيش الإسرائيلي من لبنان.
إلّا أنّ قيادة «حزب االله» بالاتفاق أو بتوجيه مِن النظام السوري في حينه، استنبطت نظريّة تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا التي احتلتها إسرائيل في العام ١٩٦٧ مع الجولان كونها أراضٍ سوريّة وليست أراضٍ لبنانيّة.
فهذه المنطقة لم تَكن أصلاً من ضمن القرار ٤٢٥ الذي كان يُلزِم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة بعد العام ١٩٧٨.
ولغاية تاريخه لم تُرسِل سوريا كتاباً الى الأمم المتّحدة تؤكد فيه أنّ «كفرشوبا وشِبعا» هي جزء لا يتجزّأ من الأراضي اللبنانية، ما يؤكّد استعمال واستغلال هذه التلال والمزارع كحجّة وكمسمار جحا لبقاء سلاح «حزب االله» ولاستمرار نفوذه في الداخل اللبناني.
أين أصبحنا اليوم بعد ستة وعشرين عاما على خروج الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان؟
الخسائر البشريّة بالآلاف، والخسائر الماديّة بمليارات الدولارات. عشرات البلدات والقرى في الجنوب مدمّرة بالكامل. مئات البلدات الجنوبيّة تَهَجَّر منها أهلها. الضاحية الجنوبيّة نصف مهدّمة. البقاعين الغربي والشمالي تحت التهديد الدائم.
فبأي عيدٍ نحتفلُ بعد أن استجلبنا لبلدنا كلّ الويل والثبور وعظائم الأمور «إسناداً لغزّة» و«ثأراً للخامنئي» وكأنّنا خُلِقنا لنكون وقودا على مذابح ساحاتٍ ومحاورَ لا ناقة لنا بها ولا جَمَل.
والطامة الكبرى، أن ليس هناك دولة في العالم، عدا إيران طبعاً، استنكرت او تستنكر ما تقوم به إسرائيل، لأنّ العالم كلّه يَعتَبِر أنّ إسرائيل هي المُعتدى عليها وهي تدافع عن نفسها وعن سكان شمالها من تهديدات «حزب االله».
ويتشاطرون على الدولة رئاسةً وحكومةً ويلعبون على الألفاظ.
مفاوضات مباشرة لا، مفاوضات غير مباشرة نعم، وكأنّنا أصبحنا على مشارف تل أبيب بعد أن صلّينا في القدس.