بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 أيار 2026 12:00ص كامل مروة... ذاكرة لا تغيب الرجل الذي جعل من الصحافة رسالة

حجم الخط
في ذكرى اغتيال الصحافي الكبير كامل مروة، تعود إلى الذاكرة صورٌ من زمنٍ كان للكلمة فيه وزنٌ وهيبة، وكانت الصحيفة جزءاً من تكوين الإنسان وثقافته اليومية، لا خبراً عابراً يُقرأ على عجل ثم يُنسى.
أستعيد اليوم محطةً لا تزال حيّة في ذاكرتي منذ عام ١٩٦٢، بعدما أنهيت القسم الثاني في الـIC، يوم تقدّمت إلى مقابلة الدخول إلى الجامعة الأميركية في بيروت - كلية الهندسة. كان اللقاء مع البروفيسور سلون، وبحضور البروفيسور خسروف ياراميان، عضو مجلس إدارة المشاريع الكبرى لبيروت، وأحد الأسماء التي تركت بصمة واضحة في الحياة الهندسية والعمرانية في لبنان.
ومن بين الأسئلة التي وُجّهت إليّ يومها، سألني البروفيسور ياراميان إن كنت أقرأ الصحف. أجبته فوراً: نعم، أقرأ جريدة «الحياة». ابتسم وسألني:
«ومن صاحبها؟»..
فأجبته:
«كامل مروة».
ثم تابع بسؤالٍ ما زال صداه يرافقني حتى اليوم:
«وما العبارة المكتوبة تحت شعار الحياة؟»..
أجبته من دون تردد:
«إنّ الحياة عقيدة وجهاد».
ربما لم يكن يدرك يومها كم كانت تلك العبارة تسكن وجدان جيلٍ كامل، وكم كانت «الحياة» بالنسبة إلينا أكثر من صحيفة. كانت نافذةً على الفكر والثقافة واللغة الرصينة، ومدرسةً يومية في القراءة والانفتاح على العالم.
منذ طفولتي، كنت أقرأ «الحياة» بشغف. أترقّب وصولها، أتصفّح عناوينها، وأتابع مقالاتها وأسماء كتّابها. وفي زمنٍ لم تكن فيه الشاشات السريعة ولا وسائل التواصل الاجتماعي، كانت الصحيفة تصنع علاقةً حميمة بين القارئ والكلمة، وتمنح القراءة طقساً خاصاً لا يُنسى.
واليوم، وبعد عقود طويلة، لا أستعيد ذكرى كامل مروة من زاوية السياسة، بل من زاوية الثقافة والالتزام بالكلمة والمسؤولية المهنية. فقد استطاع أن يجعل من الصحافة رسالةً للوعي والرقيّ الفكري، وأن يرسّخ في ذاكرة أجيالٍ كاملة معنى أن تكون القراءة جزءاً من بناء الإنسان، لا مجرد عادة عابرة.
رحل كامل مروة، لكن «الحياة» بقيت حيّةً في ذاكرة من عاشوا تلك المرحلة، وبقي شعارها الخالد يختصر معنى الصحافة الحقيقية:
«إنّ الحياة عقيدة وجهاد».

المهندس هشام جارودي