تشرذم الاقتصاد العربي أضعفه منذ عقود وما زال. كل دولة تسير بمفردها ولا اقتناع بأن «في الاتحاد قوة». حصة الاقتصاد العربي في الاقتصاد الدولي هزيلة جدا نسبة للمساحات الجغرافية ولعدد السكان. وحدها دول الخليج العربي استطاعت أن تحقق الكثير من النشاطات المشتركة ضمن مجلس التعاون الخليجي، لكن التنسيق يبقى محدودا اذا ما قارناه بالوحدة الأوروبية مثلا. ما تحقق هو دون شك مهم وقابل للتطوير. لا يمكن للأسف التكلم اليوم عن منطقة عربية بالمعنى الاقتصادي لأنها مفككة، بل غير مترابطة ماليا ومصرفيا وفي النقل والاتصالات والتأمين والمعلومات وغيرها. هنالك ضرورة لتنسيق الجهود وحتى توحيدها لأن الفردية الاقتصادية لا يمكن أن تنجح في عالمنا اليوم المبني على التكنولوجيا والمنافسة والانتاجية.
حاليا خروج دولة الامارات من منظمة الأوبيك بدأ من 1\5\2026 طرح مجددا فعالية الدور الاقتصادي العربي في المجتمع العالمي. اتخذ القرار حتما بعد الدراسة العميقة صونا للمصلحة الوطنية. المعلوم أن دولة الامارات مميزة بسبب أمور عدة أولا نجاحها في تنويع اقتصادها حيث النفط ليس كل شيء بل أن تطور القطاعات الأخرى مشهود له ليس فقط في الخدمات السياحية والمصرفية والمالية بل أيضا في الصناعة بدأ من الألمنيوم الى كافة الصناعات الغذائية وغيرها. تنوع الاقتصاد الاماراتي جعل الدولة قادرة على اتخاذ قرارات مهمة ربما تعجز دول عدة أخرى عن اتخاذها عندما تعتمد على قطاع واحد حتى لو كان مزدهرا. الامارات مميزة بسبب خلقها لبيئة متطورة تعجز حتى دول صناعية متقدمة عن تأمينها. هنالك رغبة واضحة عالمية في زيارة الامارات والتمتع بكافة قطاعاتها ومعالمها وخدماتها.
يجب قراءة قرار دولة الامارات من زاويتين: أولا تأثيره على سعر النفط عالميا وبالتالي على تكلفة الانتاج والتكلفة المعيشية دوليا. ثانيا تأثير القرار على التضامن العربي ومبدئيا مع بعض الحلفاء اذ تعودنا عربيا على اتخاذ قرارات أحادية دون اللجوء الى قوة التضامن والتحالف التي تشهدها مناطق أخرى كالوحدة الأوروبية وبعض المنظمات الاقليمية في أميركا اللاتينية وأفريقيا وأسيا وغيرها. حاليا حتى الدول الكبرى غير قادرة على السير منفردة لتحقيق أمنياتها. الولايات المتحدة في حربها الحالية تكتشف أنها غير قادرة بمفردها على حسم النتيجة لمصلحتها بسرعة وقوة والا لفعلت ذلك. دول حلف شمال الأطلسي تتفرج وتعتبر نفسها غير معنية، أي تقول علنا أن الحرب ليست حربها.
تفهم الصين جيدا أهمية التعاون بل التحالف. .تحاول عبر «البريكس» وغيرها من التحالفات والمؤسسات أن تقوي نفسها على الساحة الدولية ليس فقط في مواجهة أميركا وانما لفرض معادلات جديدة دولية واقليمية تتناسب مع حجمها العسكري الحالي والمحتمل. تقوي الصين نفسها عبر تحالفات مهمة في أسيا وخارجها لأن في الاتحاد قوة. صوت الصين الاقتصادي الدولي أي عبر البنك وصندوق النقد ضعيف لأن المؤسستان وجدتا بعد الحرب العالمية الثانية يوم كانت الصين ضعيفة وهامشية بل مهمشة. تحاول الصين توسيع دورها عبر مراكز الادارة ولكن هذا لا يكفي اذ تريد حصة أكبر في رأس المال، وهذا غير ممكن بل غير مرغوب به غربيا اليوم.
خروج الامارات من «أوبيك» و«أوبيك بلاس» يحررها لكن يفقدها في نفس الوقت قوة التضامن والدعم الذي يمكن أن يأتيها من المنظمتين المذكورتين في حال احتاجت لهما وهذا دائما ممكن في ظروف معينة. حق الصوت ضمن تجمعات منتجة أو مستهلكة مهم جدا وربما لا يكون دائما ناجحا بل هو مصدر قوة خاصة على المدى الطويل. لا شك أن المسؤولين قيموا الاحتمالات الممكنة واتخذ القرار بعيدا عن المزايدات التي تعودنا عليها في أماكن أخرى قريبة وبعيدة.
من ناحية النفط وأسعاره من الممكن أن تنتج الامارات كميات أكبر لأنها كانت مقيدة بنظام الكوتا الذي وضعته منظمة الأوبيك للحفاظ على مستوى أسعار مناسبة للمنتجين.الا أن تحرك الأسعار لا يتوقف فقط على المنتجين وانما أيضا على الطلب وعلى توافر سلع بديلة مناسبة أي على توافر مصادر طاقة أخرى تؤدي نفس المهمة. تستطيع الامارات التأثير على أسعار النفط خلال الأزمات بانتاج كميات كبيرة وبيعها اذا رغبت بسعر منخفض مما يساهم في حل مشكلة الاستهلاك في الدول الغربية خاصة. لا تستطيع الامارات رفع الأسعار اذ حتى لو أوقفت انتاجها سيأتي من يحل مكانها ويبقي الأسعار كما هي.
للخروج من المنظمتين فائدة لكن يجب مقارنتها بخسارة حق الصوت في منظمة كبرى هددت حيوية الاقتصاد العالمي في السبعينات وما زالت تسمع صوتها بقوة دوريا في الأسواق العالمية. يجب النظر الى قرار الامارات بل تقييمه ضمن الوضع العام العربي حيث التشرذم سيد الموقف ولا صوت فاعل لدولنا بشكل عام في المؤسسات المهمة الدولية وحتى الاقليمية. لا صوت فاعل مؤثر لدولنا حتى فيما يخص الحرب الاقليمية الحالية التي تعنينا نتائجها.هنالك مصلحة في تعميق التواصل الاقتصادي العربي الداخلي ومع الوحدة الأوروبية كتحالف منطقي تنتج عنه قوة مؤثرة.