بيروت - لبنان 2022/12/01 م الموافق 1444/05/07 هـ

أوضاعنا وما يشبهها

حجم الخط

إدارة الدول يجب أن تكون واقعية بل ذكية حتى لو كانت هنالك عقيدة عامة واضحة تؤمن بها. في الاقتصاد الحديث المترابط، هنالك ضرورة للتعاون بين القطاعين العام والخاص. سياسات الدولة الاقتصادية يجب أن تهدف الى تسهيل حياة المواطنين، أي الى رفع الانتاجية التي تؤدي الى النمو والبحبوحة. في الدول المتقدمة مع حكومات مسؤولة، تحدد الحكومات التوجهات العامة الهادفة الى تحسين أوضاع الشعب وتسعى الى تحقيقها بالتعاون مع القطاع الخاص. اذا كان هذا المسار يصف تصرفات حكومات الدول المتقدمة في أوروبا وأميركا وآسيا، فإننا نرى أن هذه المواصفات تغيب عن معظم العالم العربي وعن أكثرية الدول الناشئة والنامية مما تساهم في تفسير ما كان وراء الربيع العربي كما وراء الأوضاع في سريلانكا وباكستان وغيرهما.
في سريلانكا سقط الاقتصاد بعد أشهر من المعاناة بسبب فقدان الغذاء والمحروقات كما الكهرباء. بسبب الشح في الاحتياطي النقدي الأجنبي لم يعد ممكنا استيراد النفط حتى بأسعار مخفضة كما حاولت الحكومة تحقيقه مع روسيا. الديون العامة مرتفعة والدخل السياحي المصدر المهم للايرادات العامة انحدر منذ الهجوم الارهابي في سنة 2019. كما أن ارتفاع أسعار الغذاء والسلع بالتزامن مع الكورونا، جميعها ساهمت في تباطؤ الاقتصاد الى حدود دفعت معها السكان الى الهجوم على مركز رئاسة الجمهورية ومنزل رئيس الوزراء. الكورونا أصابت سريلانكا بقوة والحكومة واجهتها بحملات تلقيح تعتبر ناجحة على المستوى الدولي. الفساد كبير والشعب فقير والأزمة الاقتصادية عميقة. من المتوقع أن ينحدر كثيرا الناتج المحلي هذه السنة مع تضخم عال يرتفع بسبب أسعار الاستيراد والأوضاع الداخلية. بالرغم من دعم الهند لسريلانكا بـ 4 مليارات دولار، ما زالت الأوضاع الاقتصادية في غاية السوء.
انحدر نمو الاقتصاد السريلانكي من 3,3% سنة 2018 الى سلبي 3,6% سنة 2020 واستعاد عافيته فيما بعد، لكنه لا بد وأن يسقط من جديد هذه السنة. نسبة التضخم في حدود 5% علما أن عجز الموازنة كبير ووصل الى 12,8% من الناتج في سنة 2020 بسبب تخفيضات ضرائبية وانفاق حكومي هادفين الى تنشيط الاقتصاد. يفوق الدين العام نسبة 100% من الناتج وهي مرتفعة جدا لدولة متعثرة كسريلانكا. أما ميزان الحساب الجاري، فعاجز بسبب ضعف الصادرات وحاجة الاقتصاد الى استيراد الكثير من السلع الأساسية. الاستثمارات الأجنبية المباشرة متواضعة وهي سنويا أقل من 1% من الناتج، أي أن الاقتصاد غير جاذب للاستثمارات الخارجية. الاحتياطي النقدي غطى 3 أشهر من الواردات في 2020 وتدنى الى دون الشهر الواحد اليوم أي مستوى خطورة عال.
جميع المؤشرات تفسر الى حد بعيد ما وصلت اليه سريلانكا اليوم. لم يعد بإمكان الحكومة الاستدانة من الأسواق المالية فأخذ المصرف المركزي على عاتقه تمويل الانفاق أي عمليا مسببا تضخما كبيرا وانحدارا لسعر الصرف. من المتوقع أن تفتح الأحداث الأخيرة صفحة جديدة في مستقبل الاقتصاد مما يمكن أن يساهم في تحسين أوضاع الشعب ومحاربة الفقر.
سريلانكا ليست الاقتصاد الوحيد الذي يعاني، بل يمكن القول أن جميع الاقتصادات تعاني بنسب مختلفة. من الاقتصادات الآسيوية المشابهة لسريلانكا ومعظم دولنا العربية هي باكستان التي أصيبت أيضا بقوة بالكورونا وحصلت ضمنها حوادث سياسية غيرت الحكومة والسياسات المعتمدة. حصل الضغط الأكبر على الاقتصاد في سنة 2021 مما سبب بارتفاع عجز الحساب الجاري. من المتوقع أن تكون هذه السنة أفضل أي أن يرتفع الناتج المحلي 4% نتيجة بعض السياسات الحكومية الهادفة الى رفع الانتاجية. التضخم مرتفع في حدود 9% والعجز المالي حوالي 7% من الناتج ودين عام يعادل 80% من الناتج. الاستثمارات الأجنبية المباشرة ضعيفة في حدود 1% من الناتج مما يعني أن الاقتصاد بحاجة لاصلاحات بنيوية تجذب الأموال الطويلة الأمد. الاحتياطي النقدي الأجنبي المتوافر لا يغطي 3 أشهر من الاستيراد علما أن المطلوب عالميا 4 أشهر لتأمين الاستقرار الواقعي لدول تستورد السلع المهمة جدا. طبعا يتعثر سعر صرف النقد سلبا بكافة هذه العوامل السلبية المهمة.
جميع المؤشرات المتوافرة تؤكد أن الربيع العربي لم يعطِ بعد النتائج الاقتصادية التي حلمت بها الشعوب والتي أيضا توقعها العالم الخارجي. لنعود الى مصدر الربيع أي تونس التي عانت أيضا من الكورونا وبدأت السياحة تطل عليها من جديد. لكن البطالة مرتفعة وتصل الى 16% مع عجز مالي ودين عام يرتفعان أيضا، مما يشير الى امكانيات تدخل ضعيفة في الاقتصاد. نما الناتج 2% في سنة 2017 لكن سقوط 2020 أي سلبي 8,2% كان قاسيا. التضخم في حدود 7% وعجز ميزان الحساب الجاري في حدود 10% من الناتج. أما الاستثمارات الأجنبية المباشرة فتتعدى 2% من الناتج ومن المتوقع أن ترتفع اذا استمر هدوء الأوضاع واستقرت الأجواء السياسية التي تتشنج من وقت لآخر. يغطي الاحتياطي الأجنبي حوالي 4 أشهر وهو المعدل المطلوب والمنطقي والذي من الضروري أن يستمر لتقوية الاستقرار.
في المحصلة لم ينجح الربيع العربي بعد ليس فقط في تونس وانما في كل الدول التي عرفته بينها لبنان. لا تعود الأسباب الى المؤامرات كما يسوق البعض، بل الى التقصير الداخلي في الانجاز كما في المطالبة الشعبية المتقلبة والمحاسبة الديموقراطية الخجولة. سريلانكا في مرحلة انتقالية وكذلك باكستان، لكن الأوضاع ربما تكون أخطر في بعض الدول العربية كليبيا واليمن دون أن نتجاهل التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا والسودان ومصر. التحديات التي تواجه الدول هذه الأيام ليست فقط اقتصادية سياسية وانما أيضا صحية بيئية تعليمية وضمن ركائز البنيتين التحتية والفوقية مما يجعل الاصلاح غير المدروس وغير المنظم صعبا وهذا ما يجب أن ندركه للتطور.




أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 1 12 2022
المجلس الدستوري ودولة القانون
السعوديون ودعوا المونديال رغم عروضهم الجيدة
ملفات التأزم تتراكم.. والدستوري يُثبِّت دفع الرواتب الجديدة