بيروت - لبنان 2021/12/03 م الموافق 1443/04/27 هـ

«اكسبو 2020» والنجاح

حجم الخط

من يزور «اكسبو 2020» في دبي يقدر حجم الجهد المادي والمعنوي الذي استثمر لبناء هذه المدينة الكبيرة التي تحتوي على انجازات ورفاهيات مدهشة.  زيارة الأجنحة الوطنية ضرورية لتقدير حجم الانجازات الاماراتية، كما تلك المرتبطة بالدول نفسها.  هنالك أجنحة ركزت على رسالة الدولة أو المجتمع وأخرى ركزت على الابداع في تصوير الأوضاع وتقديمها للرأي العام العالمي.  هذا التنوع في الانتاج يميز «الاكسبو»، فيجعله فريدا وربما من الصعب انتاج مثيل له حتى مستقبلا في اليابان.  للنجاح والتفوق شروط بل قواعد أساسها الجدية والعمل.

المعلوم أن للانسان نوعان من الحاجات والرغبات، الأولى مرتبطة بطبيعته البيولوجية والثانية بالذهنية وتدفعه الى تطوير نفسه وفكره ومحاولة النجاح في الحياة.  عندما يكون الانسان مرتاحا، ينتج الكثير وتتحسن علاقاته الشخصية والمهنية.  هنالك عوامل تؤثر على انتاجية الانسان وهي معروفة لكننا نتجاهل تطبيقها.  يرغب الانسان في تحقيق انجازات وأن ينوه بما فعله.  طبيعة العمل مهمة، أي مريحة أو شاقة؟  ما هي أوقات العمل والفرص كما الحقوق وبالتالي الواجبات.  هنالك أيضا المسؤوليات وتشير التجارب الى أن تحميل شخص مسؤوليات وان كانت أعلى من قدراته تدفعه الى العمل والانجاز أي يتحدى نفسه والآخرين.  ما يهم الانسان هو كيفية تحسين أوضاعه ضمن الشركة والمؤسسة التي يعمل فيها ليس فقط من ناحية الأجر والمنافع وانما في المسؤوليات أيضا.  مجموع هذه العوامل يرتبط بعلاقة الانسان المباشرة بعمله.

هنالك أمور أخرى يمكن أن تؤثر سلبا اذا لم تناسب العامل أو الموظف أو حتى الاداري.  يهتم الانسان بسياسة الشركة اذ يجب توضيح الأهداف وكيفية الوصول اليها كما علاقته بمن يرأسه حيث تكون العلاقة شفافة ضمن قواعد المهنية والاحترام.  اشراف المسؤول على المرؤوس ضروري، لكن يجب أن يتم ضمن الأصول العلمية الواضحة أي نوع من التقييم الدوري المبني على البيانات والمقابلات.  كما يقيم الرئيس المرؤوس، هنالك ضرورة بأن يقيم المرؤوسون الرئيس اذ يمكن أن تكون طريقة الاشراف أو الادارة هي السبب في ضعف الانتاجية وتدني الأرباح.

من منا لا يهتم بالأجر في المستوى والمقارنة مع الغير في المؤسسة وفي المؤسسات الأخرى المماثلة أو المنافسة؟  من منا لا يهتم بطريقة زيادة الأجر تبعا للتضخم أو الانجازات أو ظروف البلد العامة؟  لا شك أن العلاقات المهنية الشخصية مهمة جدا وتؤثر بشكل مؤكد على الانتاجية.  المنافسة الداخلية مهمة ومفيدة لكن الغضب والحسد والكره الداخلي يضر بالجميع.  أما شروط العمل من فرص وأوقات ومكاتب وضمانات وتعويضات وغيرها فهي في غاية الأهمية وتظهر تدريجيا.  مجموع هذه العوامل يصف علاقات الانسان بالبيئة التي تحيطه والتي ربما تدمر نوعية النتائج المحتملة دون أن تؤثر على الكمية.

 في كل مجتمعاتنا ننوه دائما بالشخص الذي يصنع نفسهSelf-made person.  هل استفاد من العوامل المذكورة أعلاه أم كان محظوظا؟  هل هنالك من أشخاص تصنع نفسها بنفسها فعلا؟  يقول المؤلف «مايكل ساندل» أنه ليس هنالك من أشخاص تصنع نفسها بنفسها بل هي حظوظ نتيجة موقع أو تواجد في دول أو أمكنة أو ضمن عائلات لا فضل للانسان عليها.  يقول ساندل أن الانسان الذي صنع نفسه هو اختراع من قبل الأغنياء أو المحظوظين لتبرير موقعهم والدفاع عنه.  كأن يقولوا أن الفقير هو كذلك لأنه كسول أو لم يقم بالأعمال كما يجب أو بالانتاجية المطلوبة.  النجاح العملي لا يكون عموما مرتبطا فقط بانجازات شخص بل بمجموعة عوامل لم يكن للشخص فضلا في اختيارها.  يقول ساندل أن احترام الانسان واجب أيا كان موقعه وأيا كانت ثروته.  هو ضد المساعدات التي تهين الانسان ومع الدعم المعيشي المباشر للآجر.  هل كان للبناني الأصل Ardem Patapoutian أن يفوز بجائزة نوبل للطب هذه السنة لو بقي كل حياته في لبنان؟  لا شك أن له قدرات كبيرة، الا أن للموقع الجامعي الأميركي التأثير الكبير وربما الأهم.

في العالم العربي، التأخير واضح في معظم الأمور المذكورة أعلاه.  الانتفاضات التي حصلت في بعض الدول بدأ من تونس لم تنجح في ارساء قواعد جديدة للعمل والحياة والانتاج.  الأوضاع اليوم ليست أفضل مما كانت عليه عندما أحرق «محمد بوعزيزي» نفسه في تونس.  الحريات أصيبت، كذلك النتائج الاقتصادية والاجتماعية.  في مؤشر مجلة الايكونوميست وفي تقييمها الرقمي للديموقراطية بدأ من الصفر الى 10 وهي العلامة الأفضل، يحصل لبنان على 4,36 وتونس 6,72 والمغرب 5,1 وسوريا 1,43.  العلامة منحدرة جدا للبنان الذي بني على الحريات.

بالاضافة الى تجاهل معظم العوامل المذكورة سابقا، هنالك مشكلة أساسية في منطقتنا وهي ضعف المؤسسات والقوانين الحديثة التي تحل المشاكل الداخلية بهدوء. لا اقتصاد ناجح ومزدهر من دون قوانين حديثة ومؤسسات فاعلة.  نحتاج الى مؤسسات مستقلة ليس فقط على المستوى الوطني وانما أيضا على المستوى الأقليمي كي تتفاعل مع بعضها البعض. نعني بهذه المؤسسات الجامعات، الاعلام، المجموعات المدنية، القضاء وحتى المؤسسات الدينية.  هنالك عموما عدم قبول لفكرة التعددية في الفكر والممارسة.

هنالك عاملان كبيران يجب النظر فيهما:

أولا:  الفساد حيث تقييم الدول العربية منخفض بالرغم من نجاحات كبيرة في بعض الدول.  كي تنجح المنطقة اقتصاديا يجب تطوير مكافحة الفساد والحوكمة والشفافية بشكل متواز، والا ستبقى المنطقة في أوضاعها الحالية أي عمليا ضعيفة اقتصاديا.  نعاني من فجوات كبيرة في الثروات والدخل داخل الدول وفيما بينها تؤثر مباشرة على الأنظمة الصحية العامة وعلى قدراتنا للنهوض وفي محاربة الكورونا.

ثانيا:  نظرية المؤامرات التي أقنعنا أنفسنا بها منذ عقود ولا تزال توجه تفكيرنا تبريرا لعدم المسؤولية وعدم القيام بالواجب.  «معظم الأمور هي نتيجة مؤامرات» ولا قدرة لنا على المواجهة، بل علينا عمليا الخضوع لأصحاب الموأمرة وهذا مخيف ويبقينا عمليا في أوضاع سيئة.  الاتهام بالولاء للخارج سهل في منطقتنا حيث تخوين الغير دون اثباتات لا يخضع للعقاب وبالتالي يستمر.  هذه النظريات تخلق أجواء من عدم الثقة بين الحكومات تنعكس على المجتمعات بالرغم من ترابطها أحيانا بعلاقات عائلية واجتماعية قوية.

النجاح ليس صدفة ولا بد من الاستمرار في تقوية البنية الاجتماعية والثقافية.  في منطقتنا من السهل نشر الأخبار السلبية والناس تتقبلها، ومن الصعب تسويق النجاحات حتى عندما تكون كبيرة ومؤكدة.  «اكسبو 2020» هو من النجاحات المؤكدة التي تفيد ليس فقط الدول العربية وانما كل الاقتصاد العالمي.



أخبار ذات صلة

علي حميّة: كلّ شيء وفقاً للقانون "رايح فيه للآخر" ولن [...]
علي حميّة: إذا كانوا يريدون البدء بالتدقيق الجنائي أنا مستعدّ [...]
وزير الأشغال علي حميّة للناشطين الذين دخلوا إلى الوزارة: "أنا [...]