بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 آذار 2026 06:14م الحروب الوجودية

حجم الخط

الحروب تعرف بأهدافها الجغرافية، والعسكرية، والسياسية أو الاقتصادية، لكن أخطر ما نشهده اليوم هو انزلاق هذه الحروب من كونها صراعات مصالح، إلى حروب وجودية مغلقة على ذاتها، والحرب الوجودية ليست مجرد صراع على النفوذ، بل تعني أن الخسارة فيها تعتبر نهاية الخصوصية، وانهيار الهوية، والتاريخ، وعدم القدرة على الاستمرار، عندها تصبح التسويات والتنازلات احدى اشكال الانتحار السياسي الجماعي، ويتحول السعي الى الحلول خيانة وجودية.

الحروب لا تبدأ وجودية، بل يتم تحويلها عبر خطاب الخوف على الخصوصية والحق في الوجود، حيث يعاد تعريف الصراع من نزاع محدود إلى معركة مصيرية، وعندما تقتنع المجتمعات بأنها تخوض حربا وجودية، عندها تتقبل كل ما كانت ترفضه وتحرمه من ادوات العنف وتآكل المؤسسات، مما يؤدي الى تدمير الذات تحت شعار إنقاذها، وتتحول الانتصارات الميدانية إلى أعباء استراتيجية، ويصبح العنف بديلا عن السياسة، وتحاول القوة الخشنة التعويض عن فشل القوة الناعمة في إنهاء الحروب.

الحروب الوجودية لا تحسم بالتفوق العسكري، بل بالقدرة على إعادة تعريف الصراع بطريقة تنهي الحاجة إلى استمراره، والقوى المنخرطة في هذا النوع من الحروب قد تنتصر في الميدان، لكنها تفقد القدرة على إنهاء الحروب في الوعي العام على مدى اجيال واجيال، والحروب الوجودية اللبنانية عملية معقدة، لأننا فشلنا في توحيد تعريف الوجود والهوية الوطنية الجامعة ونعيش ازمة تعريفات متعددة ومتناقضة، وكل مكون يرى انتمائه ووجوده بطريقة مختلفة، وكل سردية تنتج حربها الخاصة، حتى في غياب الحرب المعلنة، وهنا تتحول الدولة الوطنية من إطار جامع إلى مساحة قلق دائم، وإلى ما يمكن تسميته (الدولة المعلقة) لا حرب تحسم ولا سلم يبنى، ونعيش على توازنات هشة ومخاوف متضاربة.

الحروب الوجودية ليست وجودية في حقيقتها، بل هي عملية تمادي في تعميق الصراعات، لان النزاعات عندما تعود إلى حجمها السياسي الحقيقي، تصبح الحلول ممكنة وبديهية، أما حين نرفعها إلى مستوى الوجود والمقدسات، فإننا نغلق كل الأبواب.. ويتحول الوجود من البحث عن السكينة والامان إلى البقاء او الفناء.. حفظ الله لبنان.