بيروت - لبنان 2023/02/08 م الموافق 1444/07/17 هـ

النظام الاقتصادي والتضخم

حجم الخط

التضخم يضرب الاقتصاد العالمي، هل النظام الرأسمالي بحد ذاته ومن داخله وبسبب مقوماته ينتج التضخم؟  عموما كل عشر سنوات ينتشر التضخم في كل الدول بدأ دائما من الصناعية الأساسية.  في بداية 2022 كانت الأوضاع في ألمانيا ممتازة، لكن كل شيء تغير مع الحرب الأوكرانية التي بدأت في 24\2.  ارتفعت الأسعار وانخفضت الثقة في الاقتصاد وتدنت الصادرات.  قدر نمو الاقتصاد الألماني ب 2,9% في 2021 و 1,2% في 2022 كما وصل التضخم السنوي الى 8,3%.  ينتشر التضخم بسبب العلاقات التجارية والمالية القائمة عالميا مما يجعل محاربته صعبة بل تتطلب جهودا مشتركة يصعب أحيانا التوافق عليها.
من أسباب التضخم وجود فساد كبير في كل الدول يمنع عمليا المنافسة الحرة في كل القطاعات وبالتالي يساهم في رفع الأسعار.  هنالك مشكلة مشتركة وهي غياب الاستقرار الاجتماعي والقانوني والمؤسساتي في أكثرية الدول.  مشاكل اللاجئين والنازحين والمهاجرين كما التطرف اليميني واليساري كلها مسببات أساسية لعدم الاستقرار وسقوط الثقة.
هل النظام الرأسمالي في ركائزه مسبب أساسي للتضخم؟  هل المزايا الأساسية التي يرتكز عليها أي المنافسة والحريات والملكية الفردية تسبب ارتفاعا في الأسعار؟  هل يمكن تطوير النظام من دون التسبب بمزيد من التضخم؟  هنالك عيوب أساسية ونتائج سلبية كبيرة للنظام الرأسمالي المعتمد منذ الحرب العالمية الثانية، أهمها توسع فجوتي الدخل والثروة داخل الدول وفيما بينها.  هنالك عدم تكافؤ فرص بين المواطنين تبعا للمناطق والمجتمعات والقوانين مما يفرض على الحكومات التدخل لتخفيف الفوارق في التعليم والصحة والغذاء.  يجب تضييق فجوة الفرص أكثر وصولا الى المساواة اذا أمكن.
في آخر الاحصائيات المتوافرة، بلغت نسبة ارتفاع أسعار الاستهلاك السنوية 9,1% في الولايات المتحدة و9,6% في الوحدة الأوروبية.  تحاول المصارف المركزية محاربة التضخم عبر رفع الفوائد الأساسية، وهذا ما فعله مرارا المصرف الأميركي وما فعله المصرف الأوروبي حديثا.  مشكلة رفع الفوائد تكمن في تسببها في احداث ركود وهذا ما حصل في أميركا حيث انخفض النمو خلال فصلين متتاليين.  هذا خبر سيىء للحزب الديموقراطي على أبواب انتخابات رئاسية قد تسمح للتجديد للرئيس بايدن في 2024.
في الولايات المتحدة هنالك من يتهم الرئيس بايدن بالتسبب في التضخم بسبب برنامجه الانقاذي في بداية 2021 الذي ضخ 1,9 ألف مليار دولار في الاقتصاد. لكن هنالك من يعترض على هذه التهمة لأسباب متعددة منها أن المستهلكين الأميركيين ادخروا قسما كبيرا من هذه الأموال كما أن انفاق سلطات الولايات وكافة السلطات المحلية ارتفع بأقل من 1% من الناتج المحلي الاجمالي.  من ناحية أخرى استوعبت البطالة قسما مهما من هذه الأموال كما أن الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي لم يرتفع الى ما كان عليه قبل الكورونا.  في الملخص، ليست هنالك دلائل مؤكدة على التأثير المباشر للبرنامج الانقاذي العام على مؤشر أسعار الاستهلاك.
لا يضرب التضخم فقط الاقتصادات الغنية وانما الناشئة والنامية أيضا. في تركيا مثلا توقع المصرف المركزي أن تكون نسبة التضخم 60,4% في 2022 بسبب ارتفاع تكلفة الواردات وسقوط الليرة.  تعاني سريلانكا من كل شيء وأيضا من التضخم.  كذلك الأمر في لبنان حيث يستورد الاقتصاد معظم حاجاته في ظروف عدم استقرار سياسي واجتماعي وسقوط للنقد الوطني. اذا كان النظام الرأسمالي في داخله يحتوي على بذور تضخمية واضحة فما هي أسباب التضخم؟
أولا: في العرض هنالك مشكلة سلاسل التوريد الناتجة عن الكورونا والحرب الأوكرانية كما عن الأوضاع في الصين آخرها اغلاق المدن الأساسية في مقدمها العاصمة وشانغهاي، قبل أن تتغير السياسة منذ أسابيع.  من الطبيعي أن يؤدي هذا التأثير السلبي على العرض الى ارتفاع الأسعار. ما نشهده من زحمة حاويات في المرافئ العالمية الأساسية ومن انخفاض في عدد سائقي الشاحنات بسبب الكورونا كلها تفسيرات للعرض المتدني.  مشكلة العرض كانت أخطر في أوروبا بسبب الغاز والنفط واضطرار الدول المعنية وخاصة ألمانيا الى دفع أسعار أعلى لاستيراده من مناطق بعيدة مما ساهم في رفع الأسعار كثيرا.
ثانيا:  الانفاق العام الأميركي كان كبيرا منذ 2019 وخاصة في 2021 لتجنب سقوط الاقتصاد والذي أحدث بعد فصول قليلة نموا كبيرا وبالتالي تضخما في الأسعار.  لا شك أن الحرب الأوكرانية سببت ارتفاع أسعار السلع وخاصة النفط والغاز والمعادن والحبوب المهمة جدا للفقراء وللدول الفقيرة.
ثالثا:  هنالك حقائق ايضافية مهمة ساهمت في تسريع ظهور المؤشرات التضخمية مثلا انخفاض الهجرة الشرعية الى الدول الكبرى بالرغم من الحاجة الماسة لوظائف أساسية.  كما أن التقاعد المبكر مع الكورونا كان له تأثيرات سلبية على الانتاجية. القدرة الانتاجية للدول الأساسية تأثرت سلبا.
ما الذي يمكن عمله لتخفيف نسب ارتفاع الأسعار، ان لم يكن ممكنا القضاء كليا على التضخم؟
أولا: تخفيف الانفاق في الدول التي تعاني خاصة في الولايات المتحدة ودول الوحدة الأوروبية.  هذا ممكن لكنه ليس سهلا في ظروف يحتاج خلالها المواطن الى المزيد من المساعدات كي يستطيع اكمال حياته العادية.  حسن التوازن بين الحاجات والامكانات هو أساس عمل الحكومات الجدية والواعية.
ثانيا: رفع الفوائد من قبل المصارف المركزية لكن لهذا حدود وهو الركود أو سقوط الاقتصاد وارتفاع البطالة والمس في الاستقرار العام.
ثالثا: على المدى الطويل يجب ايجاد حلول مناسبة تغير طبيعتي العرض والطلب.  المطلوب مثلا الاستثمار في الطاقات النظيفة البديلة بحيث ينخفض سعرها وتصبح أكثر في متناول المواطن العادي.  المطلوب تغيير تقنيات البناء والسكن بحيث تكون التكلفة منخفضة ووسائل التمويل متوافرة أكثر.  ليس من السهل محاربة التضخم خاصة عندما يكون في قلب النظام الحر ذي الحسنات الكثيرة لكن مع شوائب واضحة.


أخبار ذات صلة

جمعية "أموالنا لنا": اقفال المصارف المشبوه ربما هو للتلاعب بالأرقام [...]
رغم قطع العلاقات بين البلدين.. قبرص تقول إن تركيا قبلت [...]
الأمم المتحدة تدعو إلى وضع السياسة جانباً لتسهيل إيصال المساعدات [...]