كان من المفترض أن تكون إفتتاحية اليوم الأربعاء للعميد نزارعبد القادر، ولكن إرادة القدر كانت أسبق من يراعه، وخطفته يد المنون عشية موعده الأسبوعي مع قرائه ومتابعي فكره الإستراتيجي.
بكل ما في القلب من وجع، وبما تعجز الكلمات عن حمله من حزن، نودّع اليوم قامة فكرية ووطنية نادرة، العميد الدكتور نزار عبد القادر، الذي رحل على حين غفلة، تاركًا فراغًا لا يُملأ، ليس فقط في قلوب محبيه وأصدقائه، بل في وجدان وطنٍ بأسره كان بأمسّ الحاجة إلى صوته وعقله وبصيرته.
لم يكن الراحل مجرد كاتبٍ أو محللٍ إستراتيجي عابر، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في قراءة التحولات، وفهم تعقيدات الواقع، واستشراف ما تخبئه الأيام. كان حضوره في المؤتمرات وحلقات النقاش علامة فارقة، وصوته في الإعلام اللبناني والعربي مرجعًا موثوقًا لكل من يبحث عن الرأي الرصين والتحليل العميق. لم يكن يكتفي بسرد الوقائع، بل كان يغوص في جذورها، ويعيد تركيبها برؤية وطنية صادقة وعروبةٍ ملتزمة لا تعرف المساومة.
برحيله، نخسر أخًا وصديقًا ورفيق درب، عرفناه حاضرًا دائمًا، مبادرًا إلى الحوار، منفتحًا على الاختلاف، ومؤمنًا بأن الكلمة المسؤولة قادرة على بناء الجسور في زمن الانقسامات. كان يجمع بين صرامة العسكري ونبل المفكر، بين الانضباط والإنسانية، وبين العقلانية والشغف بقضايا الوطن والأمة. هذه الثنائية الفريدة هي ما جعلت منه شخصية استثنائية يصعب تكرارها.
إن خسارة العميد نزار عبد القادر ليست خسارة شخصية لعائلته وأصدقائه فحسب، بل هي خسارة وطنية بامتياز. فقدنا عقلًا إستراتيجيًا كان يرى ما وراء الحدث، ويقرأ ما بين السطور، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. وفي زمن كثرت فيه الأصوات وقلّت فيه الرؤية، كان صوته بوصلة، وكلمته ميزانًا، وموقفه تعبيرًا صادقًا عن انتماء لا يتزعزع.
سيبقى حضوره حيًا في ذاكرة كل من عرفه أو تابع فكره، وستبقى كتاباته شاهدة على مرحلةٍ كان فيها للكلمة معنى، وللفكر دور، وللوطن رجال أوفياء. الرحيل قاسٍ، لكن الأثر الذي يتركه الكبار يخفف من وطأته، ويمنحنا عزاءً بأنهم وإن غابوا بأجسادهم، فإنهم باقون في ما زرعوه من فكر وقيم.
رحم الله الأخ والصديق والزميل العميد الدكتور نزار عبد القادر، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. أما نحن، فليس لنا إلا أن نتمسك بما تركه لنا من إرث فكري ووطني، وكأن الغياب أراد أن يقول لنا إن بعض الأقلام لا تُكسر، بل تتحول إلى أثرٍ خالد في ذاكرة الوطن.