بيروت - لبنان 2022/10/01 م الموافق 1444/03/05 هـ

بيروت المدينة.. الاغتيال تلو الاغتيال

حجم الخط

يشهد لبنان حالة من الخواء السياسي والفكري والاعلامي غير مسبوقة وغير مطمئنة في لحظة متغيرات اقليمية ودولية شديدة الغموض والانشداد، تشبه تحولات ما بعد الحروب العالمية الاولى والثانية والحرب الباردة والحروب العربية والنكبات والنكسات والمقاومات والاحتلالات الاسرائيلية والحروب الايرانية واحتلال الكويت وعواصف الصحراء وعناقيد الغضب واحتلال افغانستان والعراق وإستراتيجيات الفوضى ومظاهر الارهاب، ورغم هول كل تلك الحروب والتحولات عرفت النخبة اللبنانية آنذاك التعامل معها والتخفيف من اكلافها الوطنية والبشرية والمادية، رغم التصدعات والاهتراءات التي اصابت البنية الوطنية اللبنانية.

لبنان خلال الحرب العالمية الاوكرانية الثالثة الحالية متروك لهواة التعطيل والشغور والغرور والفشل والعجز وعدم القدرة على استعادة نموذجية لبنان الإقليمية والعربية المؤثرة والفاعلة، ايام نهوض لبنان حيث كان قادة المنطقة الكبار ينتظرون الصحف اللبنانية كل صباح لقراءة مقالات كبار الكتاب والصحفيين المتابعين كل تفاصيل الاحداث الاقليمية والدولية، ايام كانت تصنع في لبنان السياسات وتمنح الحصانات لكبار المفكرين العرب من رواد الحرية والتقدم والانفتاح، يومها كانت بيروت عاصمة الاحرار ومنارة كل التائهين في عالم الظلم والظلمات، يومها كانت بيروت مدينة التفاعل والتكامل الوطني وعاصمة الحريات الفكرية اللبنانية والعربية والانسانية.

الدولة الوطنية اللبنانية كانت انعكاس لوحدة المجتمع، وكان المجتمع السياسي يشكل حالة ادانة دائمة لاداء مؤسسات الدولة، وكانت الاحزاب السياسية الايديولوجية والوطنية تحاكي تطلعات الشعب اللبناني الذي كان يعتبر الحريات السياسية والفكرية هي في اصل الجينات المكونة للتجربة الوطنية اللبنانية المتحررة من الطائفية والمذهبية، حيث آثرت الاحزاب اللبنانية الانخراط في التكوينات السياسية العالمية الاشتراكية والرأسمالية واليمين واليسار مع تشكل قامات سياسية ديموقراطية موالية ومعارضة كان لها تمثيلها واحترامها وتأثيرها في الحياة السياسية الوطنية.

لبنان الحريات الابداعية والفكرية تجسد بالاعمال المسرحية والمهرجانات الفولكلورية والفنية، وعرف نخبة ابداعية استثنائية بلغ بعضها المرتبة العالمية في الرواية والرسم والموسيقى والعزف والتأليف، واحتضن لبنان ايضا المبدعين العرب الذين شكلت مطبعة بيروت بوابتهم نحو شعوبهم والعالم وكانت بيروت مدينتهم الاولى ولبنان وطنهم الثاني، حيث سكنوا واستوطنوا وشعروا بالامان على حياتهم وابداعهم وكانوا محل تكريم واحترام، وبيروت ايضا كانت الحديقة الخلفية للتطورات الاقتصادية والإنتاجية والاستثمارات الدولية في استكشاف ثروات المنطقة فاستقرت الشركات في بيروت مع عائلتها وذلك قبل نهوض وازدهار المنطقة العربية .

استطاعت بيروت المدينة على مدى عشرات السنوات ان تستوعب التحولات والتحديات والطموحات بفضل نخبها وروادها في العلم والمعرفة والفكر والسياسة والاعلام والاقتصاد، رغم عسكرة الواقع وتحويل السكينة المجتمعية اللبنانية الى ساحات نزاع واقتتال ودمار الا ان بيروت المدينة بقيت بانتظار نخبة قادرة على استعادة المبادرة والنهوض ببيروت المدينة عاصمة لبنان، ومع مطلع التسعينات بدأت بيروت المدينة باستعادة حضورها وتألقها ونهوضها ودورها في التلاقي والتفاعل وعاصمة الحريات الاجتماعية والفكرية، واستطاعت الاجيال الصاعدة من شابات وشباب لبنان الذين ولدوا في سنوات القهر والنزاع الطويلة ان يتعرفوا على جينات وخصائص التجربة الوطنية اللبنانية بعد ان جاء من استطاع ردم الهوة العميقة بين الماضي والمستقبل واعاد اعمار بيروت المدينة عاصمة الوحدة والشراكة الوطنية والتسامح والاحلام قبل ان يعاد اغتيالها بالاغتيال تلو الاغتيال.
اليوم السبت ١٠ ايلول ٢٠٢٢ وبكل صدق ورجاء… حفظ الله بيروت وحفظ الله لبنان من قادم الايام .




أخبار ذات صلة

صلاح امام كرسي الاعتراف: أنا مجنون ومدمن!
جريدة اللواء 1 10 2022
شروط ميقاتي لزيارة بعبدا.. وانشغال عربي وغربي بمن يملأ الفراغ