على خلفية قول الرئيس العماد جوزيف عون في مناسبة عيد الجيش (الخميس 7 تموز 2025) حول عقدة السلاح غير الرسمي «إن حصرية السلاح لا تمس أحداً وحرصي على حصريته نابع من حرصي على الدفاع عن سيادة لبنان وحدوده وبناء دولة تتسع لجميع أبنائها...» تأتي واقعة إستشهاد ثلة من خيرة الشباب المعقودة الآمال المحزون عليهم أُسرهم وكما شعب لبنان، إكمالاً لعمليات جهادية نفَّذها وإستشهد البعض في سبيلها، مقاتلون جسورون تحفزهم عقيدة حزبهم وهالة أمينه العام السيد حسن نصرالله على مواجهة العدو الإسرائيلي حتى إذا إنتهى الجهاد إستشهاداً.
يحزن المرء لإستشهاد العسكريين الستة بنسبة الحزن على رفاق سبقوهم إلى دنيا الإستشهاد من أجْل تأكيد واجبهم البذل في سبيل الوطن كجنود في المؤسسة العسكرية غير مكتملة حقوقها من الدولة وعلى مقاومين نفَّذوا من العمليات التي لا تكلِّف الدولة مالاً وسلاحاً ما يتسم بعضها بجسارة حتى إن هي إنتهت إستشهاداً. والأسماء كما الوقائع كثيرة في هذا الشأن.
وإذا جاز القول فإن بادرة إشادة تأتي من الرئاسة في سياق إستحضار عيد الجيش، حول أدوار نفَّذها مقاومون خلال مراحل متعددة، كانت ستبدو برداً وسلاماً على الخطاب العالي التحدي للبعض من فئة «المقاوسة» (جمعاً لكلمتيْ المقاومة والسياسة) وتلفُّظ أحد كبارهم بعبارة «يبلْطوا البحر» وهي من العبارات المألوفة في شجارات في الأحياء والأسواق الشعبية ودون قاموس أهل السياسة، الذي إختل رقيه وتوازنه في مناسبات برلمانية سابقة كانت الردود فيها عبارة عن ولولات لا علاقة لجماعة «المقاوسة» بها.
وتلك المبادرة التي نشير إليها تأتي في سياق خطاب ذكرى تأسيس الجيش، وقائلها رئيس الجمهورية، كانت ستبدو بمثابة بديل دبلوماسي للثلاثية المتعارَك سياسياً وحزبياً حولها وهي «شعب جيش مقاومة» والتي بسبب الإصرار الأميركي على حذْفها كتراث نضالي تتواصل الأمور إرتباكاً في لبنان، ولا تضع حداً لها التحديات اللفظية من جانب أطياف غير عادلة في تقييمها للتضحيات التي قدمتْها حركة المقاومة وفاق عدد الذين إستشهدوا، عدد سائر المضحين من أجْل لبنان على مدى سنوات الإستقلال.
في ضوء الذي يتواصل حدوثاً في غزة وبدأ يأخذ مداه في سوريا وكيف أن إسرائيل نتنياهو ماضية في عدوانها إحتلالاً وإجتياحاً وتجويعاً وتجريف أراض زراعية لأصحابها من الصامدين في بلدات الضفة الغربية والمناطق الباقية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1948، ليس واضحاً ما إذا كانت «التسوية البراكية» للحالة اللبنانية ستتم بحُسن النية، وستهدأ بذلك الأحوال وتأخذ إدارة الرئيس ترمب على عاتقها وبأموال الآخرين المنعْم عليهم مكافأة لبنان وذلك بتعمير ما دمرتْه الإعتداءات الإسرائيلية. كما ليس واضحاً وفي السياق نفسه إذا كان الرئيس ترمب «الجمهوري» سيفي بما قاله يوم الأحد 21 تشرين الأول 2024 وكان ما زال مرشحاً لرئاسة الولايات المتحدة (خلفاً للرئيس «الديموقراطي» جو بايدن) لكن بعدما بات رئيساً «إن الحرب في غزة ولبنان لم تكن لتندلع لو كنتُ رئيساً للولايات المتحدة وسأعمل مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من أجْل إعادة السلام إلى المنطقة وأن العلاقات الأميركية – السعودية جيدة في الوقت الراهن وتُعد علاقات عظيمة بما تعنيه الكلمة...».
لكن بعدما بات رئيساً ليس فقط لم ينفِّذ ما وعد به وإنما إصطف إلى جانب نتنياهو غافراً له عدوانه المتواصل على شعب غزة وتجويع وتعطيش هذا الشعب ويفاجئنا رئيس مجلس النواب الأميركي (جمهوري) مايك جونسون يزور يوم الإثنين 4 آب 2025 «مستوطنة ارئيل» بموافقة من جانب البيت الأبيض ووزارة الخارجية، ومن دون أن يستوقفه أن المستوطنات غير شرعية. وأهمية الزيارة بمن قام بها وكونها الأولى من نوعها وفي زمن من المفترَض أن تتخذ إدارة ترمب الموقف الذي يعطي أصحاب الحق حقهم والأخذ في الإعتبار أن للظلم وإستلاب الحق نهاية وإن على الباغي وممتهني الإعتداءات على حقوق شرعية تدور الدوائر لا بد ذات يوم.
والذي يجب أخْذه في الإعتبار أن إعتداءات نتنياهو تتم تحت سمْع أميركا ترمب وبصرها لا تقتصر على غزة، حيث هنالك إعتداءاته «المسيراتية» على مناطق في لبنان، تاركاً «ترمب السعودي» يبذل من السعي ما في الإستطاعة تقديمه لإستقطاب دول أوروبية إلى جانب السعودية من أجْل تأمين الغذاء والدواء للشعب الغزاوي وإستطراداً لوقْف الإعتداءات على لبنان والمضي إلى حين الإنجاز قيامة للدولة الفلسطينية بمساندة دول أوروبية لمسعاه وتحفيز التظاهرات الشعبية التي تحدُث أسبوعاً تلو أسبوع في عواصم لندن وباريس وأوسلو ومدريد وبرلين،
وقد أدخل المتظاهرون إلى «البوسترات» التي يحملونها صور الأطفال الذين يقضون تجويعاً. وجديد المؤازرات للمحنة الغزاوية تلك الجدارية التضامنية مع غزة في منطقة «مكسيكو سيتي» بمشاركة فنانين ورسامين مكسيكيين وناشطين هزت محنة التجويع والتعطيش وقتْل الناس قنصاً وإفراغ المستشفيات من الآلات والأدوية وصور أطفال قضوا تجويعاً، مشاعرهم فكانت تلك الجدارية التي لا مثيل لها في أي دولة عربية شقيقة وبالذات «لبنان الجداريات» كما لا مثيل في معظم العواصم العربية لتظاهرات كتلك التي تحدُث في عواصم أوروبية وكأنما شعوب الأمة غير معنية بهذا الذي يواجهه شقيقهم الغزاوي، الذي وصَّف السيد المسيح حاله بعبارة «إليكم عني أيها الملاعين إلى النار الأبدية لإبليس وملائكته لأني جعتُ فما أطعْمتموني وعُرياناً فما كسوتموني ومريضاً وسجيناً فما زُرتموني».
عِلْماً بأن ما حدَث وما زال في غزة قد يحدُث في أي بلد عربي هنالك تطلعات إسرائيلية لموطىء أقدام فيه. والله أعلم، كما القول الكريم «ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقْص من الأموال والأنفس والثمرات وبشِّر الصابرين».
تلك مجرد تأملات بمداد قلم عاقل جرى التحبير لها في ضوء الأجواء العربية الهادىء منها والمولول.
والله الهادي السميع والبصير والحليم والحق.