بيروت - لبنان 2023/02/08 م الموافق 1444/07/17 هـ

تغيير النموذج الاقتصادي

حجم الخط

اللبنانيون مختلفون اليوم ليس فقط على اختيار رئيس للجمهورية وعلى طريقة ممارسة الحكم بل متناقضون بما يخص تفسير الدستور وغيرها من الأمور الأساسية التي يجب أن تكون موضع اتفاق وتوحيد وليس تفرقة في بلد واحد. اللبنانيون متفقون على ضرورة التغيير وان الأمور ليست جيدة لكنهم مختلفون حول الصورة الاقتصادية المستقبلية للبنان التي تسمح لنا برفع مستوى المعيشة. نحن متفقون على ضرورة رفع الناتج المحلي الاجمالي وتطوير الاقتصاد، لكننا مختلفون حول الاتجاهات وطرق التنفيذ ومن يقوم بها. نحتاج الى وصفات اقتصادية جديدة مبنية على أفكار خلاقة متطورة تنقذنا. الأوقات الحالية الصعبة لا تسمح بالقيام بالتجارب والمخاطرة، بل يجب أن تكون لنا رؤية واضحة متطورة. المهم أن لا نقع في الخطأ الكبير أي مصادرة الدولة لودائع المواطنين المصرفية أو حتى جزأ منهم. نقتل عندها قطاعنا المصرفي وربما اقتصادنا الى الأبد. علينا أن نتوقف في لبنان عن معاقبة الأبرياء وتحميلهم كل المسؤوليات وهم براء منها.
معظم دول العالم له طابع اقتصادي معين دون أن يكون متخصصا في قطاع واحد. هنالك دول تبرع في الخدمات وأخرى في الصناعة أو الزراعة تبعا لأفضلياتها المقارنة وربما موقعها الجغرافي. برع لبنان حتى سنة 1975 بقطاعه الثالث وتفوق اقليميا بالسياحة والمصارف والتأمين وغيرها من الخدمات، نضيف اليها التعليم والاستشفاء. القطاع الزراعي كان وما زال ضعيفا بسبب عدم الاقتناع داخليا بقدرته على الازدهار وبسبب عدم التركيز على سلع معينة يمكن لبلد صغير ومنتج أن يفوز بها. اخترنا سلعا زراعية مهمة كالقمح والبطاطا، لكن عادية حيث لا قدرة لنا على الفوز معها مقارنة بالجوار السوري وما بعد حيث الأراضي أوسع واليد العاملة أوفر والتمويل متاح أكثر وربما أيضا الارشاد. قطاعنا الصناعي بقي صغيرا وإن كان مميزا ومنتجا اذ برعنا في صناعات مهمة كالملابس والمجوهرات وثم المحركات وسلع الاستهلاك وغيرها.
لكن في الواقع كان قطاعنا الثالث أو الخدماتي هو الذي ارتكزعليه اقتصاد لبنان الذي نجح اللبناني به وأصبح اقتصادنا قبل 1975 يقارن بالبرتغال وايرلندا وقبرص وغيرها. أتت الحرب وتبين لنا بالاضافة الى الدمار المادي والخسارات البشرية والهجرة، أن نموذجنا الاقتصادي لم يكن صلبا ولم يحمنا من المصائب الخارجية قبل الداخلية. هل يجب أن نفكر اليوم في بناء اقتصاد ذي وجه آخر؟ أي أقل خدمات وأكثر صناعة وتجارة؟ هل نعدل في قوانيننا الاقتصادية وعلاقاتنا الدولية؟ ترك لبنان كليا لمطالب السوق ربما يقودنا مرة أخرى الى اقتصاد مماثل لما قبل 1975 لأنه يتأقلم مع عقلية اللبناني الراغب دائما في الربح السريع غير المتوافر في الزراعة والصناعة.
أوضاع البنية التحتية كما الفوقية غير مقبولة وهنالك اجماع حولها. لا يمكن النجاح اقتصاديا اليوم من دون خدمات متطورة في الكهرباء والاتصالات والنقل والمياه وغيرها. تصحيح الأوضاع مكلف ويأخذ الوقت الطويل لكن يجب وضع الرؤية بسرعة حول كيفية التطوير. البنية الفوقية التي ميزت لبنان تعاني اليوم من شح المال والأفكار والعزيمة بل القدرة على التنفيذ. عبثا نقول أننا نريد تطوير لبنان في بنيتنا التحتية والفوقية الحالية. نحتاج الى المال في كل هذه القطاعات بل الأهم نحتاج الى ارشاد متخصص عصري. يجب طبعا تحديد الأهداف التي ما زالت غير واضحة بل مشتتة وأحيانا سطحية.
يجب تعزيز المنافسة في كل القطاعات، اذ هنالك ميل في مجتمعنا نحو الاحتكارات وبالتالي رفع الأسعار وتخفيض النوعية أي استغلال المواطن والمستهلك. من المستحيل تطبيق الرقابة على كل القطاعات وفي كل المؤسسات والشركات. من يضرب الاحتكار هي المنافسة، وهنالك ضرورة لتطبيق القوانين الحالية وثم تطويرها مع تنفيذ العقوبات على من يحاول الاحتكار تماما كما يحصل في أعرق الدول الرأسمالية في أميركا وأوروبا. ليست هنالك ملائكة في الأسواق، بل قوانين واضحة صارمة تطبق على من يخالفها خاصة وان الرغبة في استغلال المواطن يمكن أن تكون كبيرة في زمن الصعوبات الاقتصادية.
حتى لو رغبنا في تطوير وجه لبنان الاقتصادي سيبقى القطاع الثالث رائدا مع تحسينات كبيرة في القطاعين الصناعي والزراعي. تطوير السياحة أسهل من قطاعات أخرى، وتجربة بيوت الضيافة ناجحة جدا ولا بد من تعميمها أكثر على كل الأراضي اللبنانية. نعود الى أهمية الارشاد الزراعي وانتقاء سلع تناسب تربتنا والمناخ، وهنالك دراسات وضعت ولا بد من تنفيذ ما أوصت به. في الصناعات، انتاج السلع ذات القيمة المضافة الكبيرة ضروري كما السلع الخفيفة التي تدخلها التكنولوجيا المتطورة.
لا بد من النظر جدياً الى أوضاع الادارة العامة التي يجب تقليص حجمها ورفع انتاجيتها عبر ادخال التكنولوجيا توفيرا للوقت وتقليلا للاحتكاك بين المواطن والموظف. الادارة العامة الحالية لا تخدم اللبناني بل تشكل عائقا أمام تقدم الاقتصاد ولا بد من التحديث تخفيضا للتكلفة ورفعا لنوعية الخدمات. الأجور أصبحت غير مقبولة والحل لا يكمن في رفعها واحداث التضخم، بل يكمن في تكبير الاقتصاد وتعزيز نقل موظفي القطاع العام الى الخاص أو نحو تأسيس شركات ناشئة كما في كل الدول منها مصر والأردن والجزائر.
الحكم اللبناني القادم من رئيس للجمهورية وحكومة جديدة يجب أن يشكلا نقلة نوعية فكرية في طريقة التعاطي مع المواطن واحترامه. المسؤولون يجب أن يخدموا المواطن وليس العكس كما يحصل في لبنان منذ زمن. لن يزدهر الاقتصاد في ظل الفساد الحالي وسؤ المسؤولية، والمهمة لا شك شائقة. الخلاف السياسي العام حول رئيس الجمهورية غير مرتبط بالسياسات الاقتصادية الفاضلة التي يمكن أن تتبع ضمن العهد الجديد، بل بأمور بعيدة كليا عن التطور والتقدم والازدهار ويمكن أن تعجل نزول الاقتصاد الى مستويات خطرة.


أخبار ذات صلة

إنقاذ رضيع بقي تحت الأنقاض أكثر من 50 ساعة في [...]
حبشي: نحن قوم عشقنا الحرية
جمعية "أموالنا لنا": اقفال المصارف المشبوه ربما هو للتلاعب بالأرقام [...]