حدثان مفصليان ألقيا بثقلهما على المشهد الجيوسياسي في غزة وسوريا ليدخلا المنطقة برمّتها في ديناميات غير مسبوقة ، وربما غير متوقعة بالنسبة للكثير من المتابعين. فقد كسر إعلان البيت الأبيض، مساء يوم الجمعة المنصرم، تشكيل «مجلس السلام» في غزة، وكذلك الإتّفاق المبرم بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، نمطَ التعايش مع الأزمات الذي طبع المنطقة لعقود طويلة، بوصفه إحدى المسلّمات الراسخة في مقاربات السياسات العامة وإدارة الشأن العام.
ولا يبدو أنّ مفاعيل هذا الإعلان ستقتصر على إدارة قطاع غزة بالمعنى الإداري الضيّق، أي وضع إطار دولي لوقف إطلاق النار وضمان استدامة سلاسل الإمداد الإنسانية والشروع في إعادة الإعمار. وبالمثل، لا تنحصر تداعيات الإتّفاق السوري في مسألة إنهاء حالة ميليشياوية ودخول القوات الشرعية إلى المحافظات الشمالية الشرقية، بل تفتح الباب أمام إعادة تركيب معادلات السيادة، وإعادة دمج الأطراف المحلية في بنية الدولة، وما يرافق ذلك من تحولات في توازنات القوة الداخلية والإقليمية.
تعبّر المستويات المتدرّجة الملحقة بـ«مجلس السلام» عن التزام دولي بتوفير إطار تنفيذي لما عُرف بـ«مبادرة ترامب»، التي اعتمدها مجلس الأمن في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. ويقوم هذا الإطار على هيكلية مؤسسية متعددة المستويات، في مقدّمها «المجلس التنفيذي»، الذي يضم شخصيات وازنة من الدائرة الضيّقة للرئيس دونالد ترامب، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، بما يعكس تداخل البعدين السياسي والإقتصادي في مقاربة إدارة مرحلة ما بعد النزاع.
كما جرى إنشاء «المجلس التنفيذي لغزة»، الذي يضمّ شخصيات محورية من دول إقليمية اضطلعت بأدوار مباشرة في مواكبة مسار التفاوض الذي أدارتْه واشنطن، من بينهم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومستشار رئيس مجلس الوزراء القطري للشؤون الاستراتيجية علي الذوادي، ورئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد. ويرتبط بهذا المجلس «اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة»، بما يشير إلى محاولة الجمع بين الرعاية الدولية، والغطاء الإقليمي، والتمثيل الفلسطيني المحلي ضمن صيغة حوكمة انتقالية ذات طابع دولي–إقليمي مشترك.
يشكّل «مجلس السلام»، الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويضمّ رؤساء دول إقليمية وغربية وُجّهت الدعوات إلى عدد منها، من بينها مصر وتركيا وباكستان والأرجنتين وكندا إطارًا دوليًا جديدًا تقوده الولايات المتحدة لإدارة مناطق النزاع التي تعذّر فيها تطبيق الإتفاقات المعقودة عبر الأطر السياسية والأمنية المتاحة. ويُعزّز هذا الإستنتاج تعيين «جاسبر جيفرز» قائدًا لقوة الإستقرار الدولية في غزة، وهي قوة أُنيط بها قيادة العمليات الأمنية، ونزع سلاح حركة حماس، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بصورة آمنة ومستدامة.
وعلى الساحة السورية، يبرز نموذج موازٍ للإلتزام الأميركي بتحقيق الإستقرار وطيّ صفحة طويلة من التوترات الإقليمية، تمثّل في توقيع الحكومة السورية إتفاقًا شاملًا لوقف إطلاق النار وإدماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة. وقد نصّ الإتفاق، على نحوٍ خالف التوقّعات السائدة، على انسحاب جميع التشكيلات العسكرية التابعة لـ«قسد» إلى منطقة شرق الفرات، باعتبارها خطوة تمهيدية لإعادة الإنتشار، بالتوازي مع التسليم الإداري والعسكري الكامل والفوري لمحافظتيّ دير الزور والرقة إلى الحكومة السورية.كما تضمّن الإتفاق دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، إضافة إلى تولّي الحكومة المركزية السيطرة على جميع المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة.
وقد سبق هذا الإتّفاق صدور المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، الذي نصّ على الإعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية، واعتبار المواطنين الكرد مكوّنًا أساسيًا وأصيلًا من مكوّنات الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تُشكّل جزءًا لا يتجزّأ من الهوية الوطنية السورية المتعدّدة والموحَّدة. كما تضمّن المرسوم معالجة جملة من القضايا الحقوقية والمدنية، وفي مقدّمها منح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع إقرار مبدأ المساواة الكاملة بينهم وبين سائر المواطنين في الحقوق والواجبات. وبذلك، وفّر هذا المرسوم الإطار القانوني والسياسي اللازم لتهيئة شروط نجاح القيادة السورية في استعادة سيطرتها على المحافظات الثلاث المعنيّة، مما سيقصي كل طموحات الإنفصال التي تراود سكان الساحل والجنوب السوري.
يتقاطع الحدثان في غزة وسوريا عند إرادة واشنطن وقدرتها على تغيير المعادلات في المنطقة، ودائماً من منظور المصلحة الأميركية. وفي هذا السياق، لا بد من الإعتراف بدور الولايات المتحدة الرئيس في إنهاء الدور العسكري لميليشيا قسد التي طالما اعتبرتها شريكاً في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، مما أتاح لدمشق الفرصة لاستعادة سيادتها والسيطرة على مواردها، كذلك لا بد من الإقرار أن مصالح واشنطن مع دول المنطقة أصبحت تتقدم على اعتبارات الأمن بالمنظور الإسرائيلي وهو ما استوجب ابتكار «مجلس السلام» بعد استنفاد الوسائل الأخرى.
لقد أنهت واشنطن العمل بــ«استراتيجية الفوضى الخلاقة»، وهذا يعني وقف استراتيجية الإعتماد على الوكلاء. ويفضي الواقع الجديد في كلّ من غزة وسوريا إلى تبلور نسقين متمايزين في مقاربة الولايات المتحدة لعلاقاتها مع دول المنطقة وإدارة بؤر النزاع فيها. يقضي النسق الأول بدعم الدول القادرة على تحقيق سيادتها بقدراتها الذاتية كسبيل لتحقيق الإستقرار، وهذا ما أقدمت عليه سوريا في التعامل مع «قسد» وفي طيّ مسألة الأقليات التي طالما شكلت منذ سايكس بيكو «كعب أخيل» لقيام الدولة الوطنية في العالم العربي، فيما يستلزم النسق الثاني تعميم نموذج «مجلس السلام» كأداة لفرض الإستقرار بما يتجاوز قطاع غزة، لا سيما حيث تتشبث ميليشيات إقليمية بسلاحها ومنها حزب الله أو حيث تعجز الحكومات كحكومة لبنان عن تطبيق القرارات الدولية بقواها الذاتية.
* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات