أفترض أن السيرة الذاتية للدكتور جورج حبش على نحو كتابتي لها وإصدارها في كتاب، هي خير ما يمكن أن يقدِّمه كاتب للإضاءة على أحد رموز العمل الفلسطيني الذين تمديْن البعض منهم بعدما كانوا ثوريين، ورحل البعض وبالذات الذين ترهَّبوا للعمل الثوري من أجْل القضية التي تتقدم المساعي لإحقاق عدالة حقها خطوة، ثم لا تلبث أن تتراجع بضع خطوات. وهذه إسرائيل البنيامينية تبدأ تحت سمْع حليفها الرئيس ترمب وبصَر وزير خارجيته وسفيره لدى الدولة المحتلة إجراءات «قانونية» لقضْم ما يمكن قضْمه من بعض أراضي الضفة الغربية.
تمت لقاءاتي بالدكتور جورج حبش الذي نسميه «الحكيم» (بترتيب وحضور الزميل بسَّام أبو شريف) في شقة من مبنى كان هنالك حِرْص عند إصطحابي إليه أن لا يُفصَح عن إسم الشارع أو المبنى وذلك من باب الحرص الأمني على الدكتور جورج حبش. وكانت الدواعي أمنية للقاء الذي إمتد بحيث بات عدة جلسات كتابة السيرة الذاتية لهذا القائد الذي حلت يوم 26 كانون الثاني 2026 الذكرى الثامنة عشرة لرحيله، أي قبْل بضعة أيام من ذكرى رحيل كل من الرمزيْن الوطنييْن رفيق الحريري والسيدة أم كلثوم.
ولقد أثمرت اللقاءات بما تضمنتْه من أسئلة وإستفسارات من جانبي بدءاً بنشأة الدكتور جورج حبش في «اللد» وثم الدراسة في إحدى المدارس الحكومية فيها والإنتقال إلى مدرسة في يافا فإلى كلية «ترامنتا» في القدس التي نال فيها الشهادة الثانوية فالتدريس خلاف رغبة والده العمل في مجال التجارة، ثم منتقلاً إلى الجامعة الأميركية في بيروت ليتخرج منها طبيباً، أوجب قرار تقسيم فلسطين عليه أن المرحلة ليست للطبابة وإنما للنضال المستديم خصوصاً بعد سقوط «اللد» في الأيدي الصهيونية. ولهذا الحدث الصاعق وكيف أن الإسرائيليين «لم يتركوا قطعة ثمينة في يديْ أو عنْق سيدة أو رجل أو طفل إلاَّ وإنتزعوها بالقوة» محطة أُولى في مسيرة جورج حبش الثورية حيث بدأ مع رفاق في الجامعة الأميركية التخطيط وعقْد الندوات وتحت شعار «لن نستسلم». ومِن هنا كان إنشاء جمعية «العروة الوثقى». ويضيف «إن نهجْنا الثوري إصطدم بالدكتور قسطنطين زريق الذي قابل حماستنا وثوريتنا بدعوتنا إلى أن نهدأ ثم تطور الأمر والتدريب على إلقاء القنابل والمتفجرات ونفَّذنا بضع عمليات إستهدفت مؤسسات إستعمارية. وبالنسبة إلى الحزب السوري القومي الإجتماعي الذي كان ظاهرة ضخمة فإننا لم نتعاون معه لأننا كنا متأثرين بفكرة القومية العربية وبكتابات قسطنطين زريق وساطع الحصري، بما يعني أن نظرة الحزب القومي السوري إلى القومية العربية جعلتْنا لا نتعاون خصوصاً أن زعيم الحزب أنطون سعادة كان نشَر في ذلك الوقت مقالات حول «إن العروبة أفلست».
وعن العلاقة مع ميشال عفلق و»حزب البعث» فإنها لم تتطور نتيجة عدم أخْذ الحزب بإعتماد العنف والتدريب على السلاح «وهذا مردُّه أن قيادات البعث لم تعِش الحالة الإنفعالية التي عشناها كفلسطينيين لنكبة فلسطين».
ويستذكر جورج حبش كيف أنه بالتعاون مع أحمد الخطيب ووديع حداد «قررنا إستقطاب الجماهير عن طريق إنشاء مدارس لمكافحة الأمية. كما أن عناصر نعرِفها من الجامعة الأميركية، ومِن هؤلاء نور جرداني وبطرس صيدي وعلي منتو وهم عناصر تنتمي إلى عائلات ثرية، أبدوا إستعدادهم للتعاون معنا».
وحول إنشاء «حركة القوميين العرب» يروي الدكتور حبش مراحل تأسيسها ومفاهيمها التنظيمية إنطلاقاً من إجتماعات كان المتحمسون للعمل الثوري والنضال من أجْل قضية فلسطين يعقدونها في أحد مقاهي «الروشة» المطلة على الصخرة الشهيرة التي رسم على حجارتها ضوئياً وفيق صفا ملامح السيد حسن نصرالله في ذكرى إستُشهاده.
ويشير الدكتور جورج حبش إلى أن تسميته «حركة القوميين العرب» إتُخذت بالإستفتاء الذي إعتمدتْه الحركة لاحقاً في القرارات الثورية والنضالية التي تتخذها هدياً بقاعدة «إن مفهوم القيادة كان ويبقى أهم المفاهيم للفلسطينيين». لكن بعد التطورات المتلاحقة ثم إضطراب العلاقات بين ما يدعو إليه الدكتور حبش ورفاقه وبين ما تراه أنظمة عربية تقدمية وثورية من بينها النظام المصري جعلت مسألة الإستفتاء النظامي شيء والإستفتاء الذي يعنيه الدكتور حبش شيئاً آخر.
كان الدكتور حبش يرى إضافة إلى القيادة الجماعية وتنوُّع وجهات النظر أن تُحقق مع الوقت نخبة «القيادة للأكفاء» و»النوعية قبْل الكمية» و»المركزية المرنة» ويضيف إلى ذلك القول «إن كل إجتماع حزبي إنعقد كان ينتهي بالنقد والنقد الذاتي حيث يقف العضو أو المسؤول ويسجِّل الأخطاء التي وقع فيها.
ويشير الدكتور حبش وهو يتحدث بإفاضة عن «حركة القوميين العرب» إلى محاولات إنشاء فروع للحركة في الدول العربية المشرقي منها والمغاربي وإعتبار صحيفة «الرأي» التي أصدرتْها في بيروت المنبر لهذه الفروع.
وعند التطرق إلى أن حديث «حركة القوميين العرب» عن الأخطاء التي أودت بالتجربة الوحدوية بين مصر وسوريا إلى مهاوي الإنفصاليين، لم يتم خلال سنتيْ التجربة الوحدوية وإنما بعد حدوث حركة الإنفصال السورية، يقول الدكتور حبش: «كنا كتنظيم نرى الأخطاء وكنا نخشى من طرْحها جماهيرياً حتى لا نجد أنفسنا نفعل الشيء الذي فعله الحزب الشيوعي السوري وقطاعات من «حزب البعث»، فيما نحن قُلنا لعبدالناصر عن أخطاء في التجربة تستوجب التصحيح».
سارت أمور «حركة القوميين العرب» لاحقاً على نحو لم يخطر في بال الدكتور حبش حدوثه، حيث بدأ التنوع يأخذ مداه ويتصدره محسن إبراهيم. وتلت ذلك حالات إنقسامية شملت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» التي باتت ثلاث «جبهات» وإمتزج التوجه نحو عمليات خطْف طائرات إحداها العملية الجريئة التي قامت بها المناضلة ليلى خالد. ثم حقبة بعد أُخرى تلت رحيل الدكتور حبش يوم 26 كانون الثاني 2008 في عَمان عن 81 عاماً باتت رؤية هذا المناضل المتميز كما الحركة التي أنشأها من أجل القضية الفلسطينية بداية «حركة القوميين العرب» ثم نهاية «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» تراثاً نضالياً ما أحوج القضية المتلاعَب بها إلى القائد الأمين.
وتبقى الإشارة إلى أن هذه السيرة التي كُتبت في بيروت عام 1975 وطُبعت كتاباً عام 1984 في لندن بعنوان «حكيم الثورة.. سيرة جورج حبش ونضاله» بحُكم إقامتي فيها 22 سنة، شاء أستاذنا غسان تويني ناشر صحيفة «النهار» أن يصدر الكتاب في طبعة جديدة عن «دار النهار» عام 2008 ليس فقط لأن الرمزيْن المتميزيْن في الفضاء التنويري من الطائفة الأرثوذكسية، وإنما لأن الدكتور المتباهي بأنه على حد قوله «أنا مسيحي الديانة، إسلامي التربية، إشتراكي الفكر» يستحق تعميم سيرة حياته التي لم يكتبها. ولقد رحل وكأنما لسان حاله القول اليسوعي «من يتْبعني فلا يمشي في الظُلمة». رحمة الله عليه في هذا اليوم الرمضاني.