بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 شباط 2026 12:20ص قمة ثانية يا صاحب الغبطة تجمع الشمل وتوقِف التنازلات

حجم الخط
تثير كثير الإستغراب مع بعض الظن هذه التعقيدات في الموقف الرسمي تجاه المسعى لإنجاز موضوع حصْر السلاح بيد الدولة متمثلة بقائد جيشها، الذي قد يعود من زيارته إلى «وزارة الحرب» الأميركية مقْنعاً جنرالات الرئيس ترمب بأن التفهم للواقع اللبناني المذهبي من جهة، ولردع إسرائيل نتنياهو التي تعتدي يومياً، يبقى الأكثر سلامة للبنان الذي تحرص عليه الإدارة الأميركية بعض الشيء وتضغط عليه بالمقابل بما لا قدرة له على التحمل، لولا أن رئاسات ثلاث وأحزاباً وطوائف تأخذ بقاعدة الصبر مفتاح الفرج.
وهذه القاعدة كانت إحدى سمات القمة الروحية الإسلامية – المسيحية في بكركي قبْل سنتين (الأربعاء 16 تشرين الأول 2024) والذي كان مشهد المشاركين فيها (مرجعيات الطوائف اللبنانية) أفرز الكثير من الطمأنينة في النفوس، وساد الشعور بذلك لدى هذا السُني وذاك الماروني وذلك الشيعي وسائر المرجعيات الدينية. وأما دواعي الطمأنينة فمِن خلال عبارات في البيان الصادر عن هذه القمة التي كان المشاركون فيها إلى جانب مستضيفها البطريرك الراعي كل من المفتي عبداللطيف دريان والشيخ علي الخطيب والبطريرك اليازجي والشيخ سامي أبي المنى والبطريرك جوزف العبسي ممثَّلاً بالمطران جورج بعقوبي والبطريرك آرام الأول كيشيان والبطريرك يونان والبطريرك أفرام الثاني والبطريرك بدروس والشيخ علي قدور والقِس قصاب والمطران قصرجي والمطران أسيان والمتروبوليت زيا والأب أندراوس، إلى جانب عدد من المطارنة والشيوخ.
هذه اللوحة الطوائفية الشاملة الفريدة من نوعها تعكس الصيغة اللبنانية الفريدة روحياً، والتي في ساعات الشدة اللبنانية سياسياً تسجل الموقف الذي في حال لم يحقق إجماعاً سياسياً فإنه يهدىء النفوس.
في هذه الأيام التي يعيشها لبنان وكيف أن أهل السياسة وزعماء الأحزاب أمعنوا تحديات مقرونة بالتجريح والإنتقاص من الحس الوطني الذي طالما كان آباء وأمهات وقبْلهم  الأجداد كثيري الحرص عليه لدى أبنائهم وبناتهم.. في هذه الأيام التي قدرة التحمل ضعيفة على ما يحدُث، يبدو إنعقاد تلك القمة مرة أُخرى بمثابة ضمادات للجراح المعنوية. وكلامنا هذا له مبرر، ذلك أن القمة الروحية - الإسلامية - المسيحية تلك والتي تمثلت بكل طوائف الوطن قالت في بيانها من صفاء العبارات ما يغني تفسير مضمونها عن الشرح وذلك لكثرة وضوح المقصد بعد الصياغة. وبعد التشخيص لواقع الحال من خلال عبارة «كفانا تشرذماً وفوضى. يجب أن تستعيد الدولة قرارها ودورها وسُلطتها الوحيدة. الوقت ليس للجدل العقيم والزمن ليس زمن المطالب والمكاسب»، تُسلِّط القمة الضوء المرفَق بالتنبيه على ما تفعله إسرائيل بلبنان، وذلك من خلال عبارة مصاغة بالإحساس الوطني في أعلى درجاته وهي «تم البحث والتداول مطوَّلاً وعميقاً في العدوان الهمجي والوحشي الذي قامت وتقوم به إسرائيل ضد لبنان، بعد أن دمرت غزة تدميراً كاملاً وقتلت الأطفال والنساء والعُجَّز، وهدمت المستشفيات والمساجد والكنائس، وهو واقع كارثي ومأساوي وإنساني مروِّع لم ترَ له البشرية مثيلاً في التاريخ الحديث...».
وبأهمية هذا التشخيص كانت هنالك عبارتان ما أحوج أهل السياسة والأحزاب بمختلف عقائدهم إلى التأمل فيهما، بل وحتى الأخذ بجوهر معانيهما. الأُولى هي: «الوقت ليس للجدل العقيم والزمن ليس زمن المطالب والمكاسب. الوقت والزمن هما لإثبات جَدارتنا بأن نكون لبنانيين موحَّدين وأن نستحق إنتماءنا لهذا الوطن الذي يغبطنا عليه العالم. الوقت هو وقت التفاهم والتعاون والتلاقي لأن الكيان اللبناني بات معرَّضاً للمخاطر والضياع فأطماع العدو الإسرائيلي ليس لها حدود لا في الزمان ولا في المكان...». أما العبارة الثانية فهي «التأكيد على أن القضية المركزية التي تتمحور حولها معظم القضايا في المنطقة العربية هي القضية الفلسطينية المحِقة التي ما تزال تنتظر الحل العادل والشامل ليكون للفلسطينيين وطنهم وتكون لهم دولتهم المستقلة حسب ما جاء في المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت في العام 2002 وذلك من خلال فرْض حل عادل ودائم ترعاه الأمم المتحدة وعواصم القرار والأشقاء العرب...».
كان المأمول من هذه القمة الروحية التي مضى على إنعقادها سنتان كثيرتا الصعوبة والتي عبَّر القادة الروحيون مجتمعين عما هو في أشد الحاجة إليه الوطن من جهة، وعما تنتهي إليه بيانات القمم العربية والإسلامية معزَّزة بين الحين والآخر بتأكيد المملكة العربية السعودية على حق الشعب الفلسطيني في أن تكون له دولة متكاملة القبول والشرعية الأممية بها... كان المأمول مِن هذه القمة أن يأخذ بها «حزب الله» الذي يستقطب أكثرية الطائفة الشيعية ونقول ذلك على أساس أن رؤية نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الشيخ علي الخطيب للوضع في جانب منها لا تعكس بالكامل ما يراه الجناح الآخر من الطائفة، ودليلنا على ذلك ما صدر عن الأمين العام ﻟ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم على مدى خلافته للسيد حسن نصرالله بعد إستشهاده، من مواقف حادة نسبياً وإلى درجة التهويل المقرون بالتنبيه. لكن واقع الحال راهناً بات غير ذي قبْل وإلى حد أنه إذا إرتأى البطريرك الراعي إستضافة دورة ثانية للقمة الروحية الطوائفية، فإن مشاركة الشيخ نعيم إلى جانب الشيخ علي الخطيب كفيلة بتحقيق توازن ينسجم مع مضمون البيان الختامي قبْل سنتين، ذلك أن مفاجاءات وتبدلات أمنية وسياسية في المناصب فضلاً عن تأثر طبيعة الإستقواء بالدولة الإيرانية التي تعيش حقبة تُراوح بين الحرب أو السلامة مقابل تبدلات جذرية في المواقف، ناهيك بالمفاجأة السورية الصاعقة بالنسبة إلى إستراتيجية «حزب الله»، تجعل الشيخ نعيم يلبي الدعوة من دون تحفظات أو شروط.
إلى ذلك إن مثْل هذا الإحتمال حدوثه يستوجب إعادة صياغة في مفردات أطياف سياسية تحترم البطريرك وتحرص في المناسبات الروحية على التبرك به، فلا تعود ترى التحادث مع إسرائيل محلَّلاً، ويستوجب عليها إزاء ذلك التبرؤ من تصريحات بالغة الحدة ضد «حزب الله»، سواء كان ذلك إجتهاداً منها أو تناغماً مع المطالب الأميركية المأمول تعديلها حرصاً على ألاَّ تبلغ التحفظات المقرونة بالعتب على الإدارة الأميركية متمثلة بمبعوثيها وسفرائها، حد الخيبة بدولة طالما أرادها اللبنانيون صديقة لهم.
ونخلُص إلى القول إن مشهداً يمثِّل رموز المرجعيات الروحية اللبنانية الإسلامية – المسيحية على نحو ما بعثت الآمال الصورة التذكارية لتلك القمة يوم الأربعاء 16 تشرين الأول 2024، وتعززت بالزيارة التاريخية للبابا لاون الرابع عشر ودعوته إلى السلام مقرونة بعبارة من نفس حزينة على الوطن المتعثرة خطوات حل محنته «يا لبنان قُم وإنهض».. إن هذا المشهد المأمول كفيل بإزالة الكثير من الحذر والعتب فضلاً عن تصريحات جارحة وردود عليها بالغ الحدة.
فهل يتوقع شعب لبنان من بطريرك صاحب المبادرات الطيِّبة ومن بينها إستباق الأحوال التي إضطربت، بالدعوة إلى إعتماد الحياد صيغة حل للبنان، معاودة جمْع الصف الطوائفي متكاملاً، وبذلك لا تعود التصريحات والمقترحات التطبيعية والتقسيمية قيد التداول.
في الكتاب المقدس القول الطيِّب: «إن حَمِعْت عليك بالترفع وإن تآمرتَ فضع يدك على فمك لأن عصْر الأنْف يُخرج خصاماً». 
مُبارَك سعي البطريرك الراعي قبْل سنتين وموضع إمتنان الشعب اللبناني في حال تكررت القمة وبالجمع الشامل.. أي يختارها ضمن الصورة التذكارية الثانية.
 وللرسول (ص) النُصح المأثور: «بشِّروا ولا تُنفِّروا ويسِّروا ولا تعسِّروا».