بيروت - لبنان 2022/10/01 م الموافق 1444/03/05 هـ

محقق عدلي واحد، لا محققان

حجم الخط

تنص المادة 355 وما يليها من قانون اصول المحاكمات الجزائية على محكمة خاصة هي «المجلس العدلي». شرحت هذه المواد كيفية تشكيل هذا المجلس، وعددت انواع الجرائم التي يختص بالنظر فيها. ولعل اهم من كل ما تقدم هو النص على طريقة وضع المجلس يده على الدعوى العامة الناشئة عن هذه الجرائم.
كما نصت هذه المواد على القواعد الخاصة التي ترعى اجراءات تعيين قاضي التحقيق لدى المجلس العدلي الذي يسمى «المحقق العدلي».
يتبين من قراءة هذه المواد القانونية ان المجلس العدلي هو فئة القضاء الإستثنائي بما في ذلك مركز المحقق العدلي الذي يعتبر محققا خاصا Ad Hoc بالنظر لطريقة تعيينه ونوع اختصاصاته ومدة مهمته...
المادة 356 من قانون الأصول الجزائية وفي اطار الكلام على اختصاصات المجلس العدلي عددت الجرائم التي تدخل في هذه الإختصاصات. فإذا وجدت الحكومة ان جريمة من هذه الجرائم تمس بأمن الدولة الداخلي او الخارجي فإنها تصدر مرسوما الإحالة» بموجبه تحيل هذه الجريمة امام المجلس العدلي لمحاكمة المسؤولين عنها لديه.
مرسوم الاحالة هذا يعتبر عملا اداريا لكنه لا يخضع لأي رقابة قضائية لأنه يعتبر نوعا من انواع العمل الحكومي النابع من سيادة الحكومة على الأرض الوطنية. ولأنه لا يؤدي الى اكثر من تعيين المرجع القضائي (المجلس العدلي) الذي يكون صالحا للنظر بالجريمة ومحاكمة المسؤولين عنها وفقا للأصول المنصوص عنها في القوانين الجزائية المرعية الإجراء.
لهذا السبب يعتبر مرسوم الإحالة الى المجلس العدلي قرارا سياسيا تتخذه الحكومة في شأن قضائي ومع ذلك لا يشكل خرقا لمبدء فصل السلطات لأنه وكما قلنا اعلاه ليس اكثر من تعيين للمرجع القضائي للنظر بالدعوى من دون التدخل في اجراءات المحاكمة.
لذلك يعتبر مرسوم الإحالة انه وحده السبب القانوني الذي يحرك الدعوى العامة امام المجلس العدلي. من هنا قضى بأن القضاء العدلي يمتنع عليه ان يعلن عدم اختصاصه للنظر بالدعوى العامة لأنه ان فعل يكون قد راقب بصورة غير مباشرة شرعية عمل اداري هو مرسوم الإحالة وهذا ما لا يستطيعه القضاء العدلي. من هنا القول ان «مرسوم الإحالة» يقيد صلاحية المجلس العدلي.
ان الخصوصية  والإستقلالية التي يتمتع بهما المجلس العدلي ينسحبان على المحقق العدلي لديه لأنه يشكل مع هذا الأخير «كتلة شرعية قانونية واحدة».
والسبب فيما تقدم ان تعيين المحقق العدلي يتم عبر تعيينه من قبل وزير العدل بعد. مجلس القضاء الأعلى وليس من بين قضاة التحقيق المعينين في مراكزهم بموجب مرسوم المناقلات القضائية.
من جهة ثانية ان قانون اصول المحاكمات الجزائية هو الذي حدد اختصاصات المحقق العدلي منها ما هو خاص به هو وحده ومنها ما هو مشترك مع باقي قضاة التحقيق. ولهذا السبب ليس مطلوبا من وزير العدل عندما يسمي المحقق العدلي ان يعين له اختصاصاته. ولهذا السبب عارضنا وبشدة مضمون طلب وزير العدل الأخير الذي يطلب فيه من مجلس القضاء الأعلى الموافقة على تعيين محقق عدلي سماه «رديف» وحدد له اختصاصاته مثل البت بطلبات اخلاء السبيل والبت بالدفوع الشكلية. اي انه طلب الموافقة على تعيين محقق عدلي ثان مع اختصاصات منقوصة.
لكن ما هو مستغرب فعلا في ما جرى تداوله ان طلب وزير العدل تعيين محقق عدلي ثانٍ جاء الوقت الذي كان مركز المحقق العدلي الأصيل ما يزال مشغولا منه بحيث يصبح لدينا محققان عدليان لكل منهما اختصاص مستقل ويتوليان معا التحقيق في جريمة واحدة (جريمة تفجير مرفأ بيروت).
بديهي القول ان قانون اصول المحاكمات الجزائية لم يلحظ امكان ان يتولى التحقيق قاضيان معا وان تقسم الإختصاصات فيما بينهما. كما ان طبيعة الأعمال التحقيقية تتعارض كليا مع وجود محققين وهذه قاعدة متفق عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم.
زد على ذلك ان المحقق العدلي الثاني قد استحدثه قرار اداري هو قرار مجلس القضاء الأعلى وهذا مخالف للقانون لأن القرار الإداري لا ينشيء موقعا قانونيا ولو كان صادرا عن اعلى مرجع قضائي لأن الأمر يحتاج الى نص قانوني من هنا عارضتا استحداث وضع قانوني جديد لعدم سماح القانون به ولأن طبيعة هذا الموقع تستدعي محققا عدليا واحدا لا محققان.


أخبار ذات صلة

بعد ليلة اشتباكات عنيفة.. هدوء حذر في طرابلس
فضيحة تلاحق شاكيرا وكاسياس قائد ريال مدريد السابق
مسودة هوكشتاين على الطريق