بيروت - لبنان

اخر الأخبار

24 آذار 2026 12:25ص من الكرنتينا إلى الحازمية وتحديات السيناريو المتفجِّر

حجم الخط
يبدو أن تسارع الإيقاع في المقاربة الأميركية للحرب الدائرة مع إيران لا ينفصل عن اعتبارات داخلية ضاغطة، تتصل بكلفة الانخراط العسكري وتداعياته الاقتصادية، ولا سيما خطر انزلاق الأسواق إلى أزمة طاقة عالمية في حال إقفال مضيق هرمز. في المقابل، يدرك رئيس الحكومة الإسرائيلية أن قدرته على الاستمرار في مواجهة مفتوحة مع إيران من دون غطاء أميركي مباشر تبقى محدودة، ما يضع المنطقة أمام مفترق حساس بين احتواء التصعيد، أو انفلاته على جبهات متعددة، وفي مقدمها الساحة اللبنانية.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للبنانيين لا يتعلق فقط بمآلات الحرب الإقليمية، بل بما قد تُفضي إليه العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في الجنوب، إذا ما قررت تل أبيب المضي قدماً في فرض واقع ميداني جديد، يقوم على إنشاء منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني، ومنع عودة عشرات آلاف الأهالي إلى قراهم الحدودية. هنا، يتحول الخطر من مجرد مواجهة عسكرية إلى تهديد بنيوي يطال التركيبة السكانية والتوازنات الدقيقة التي تقوم عليها الصيغة اللبنانية.
إن تجربة الحروب السابقة تشير بوضوح إلى أن «المناطق العازلة» لا تبقى دائماً تدبيراً أمنياً مؤقتاً، بل كثيراً ما تتحول إلى وقائع طويلة الأمد، تفرضها موازين القوى على الأرض. وإذا ما اقترنت هذه المنطقة بسياسة تدمير ممنهج للبنى التحتية والمساكن، فإنها تدفع السكان قسراً إلى النزوح الداخلي أو الهجرة، ما يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية يصعب عكسها في المدى المنظور. وهذا تحديداً ما يثير القلق في لبنان، حيث أي خلل في التوزيع السكاني ينعكس مباشرة على التوازن السياسي والطائفي، ويعيد إحياء هواجس تاريخية لم تندمل بعد.
في هذا السياق، لا يمكن فصل المخاطر الميدانية عن الأزمة السياسية الداخلية. فتمسُّك حزب الله بقرار الحرب والسلم، خارج إطار الدولة، لا يضعف فقط الموقف اللبناني في مواجهة الضغوط الدولية، بل يحد أيضاً من قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة تداعيات الحرب، أو التفاوض على شروط إنهائها. إذ تبدو الدولة، في نظر المجتمع الدولي، عاجزة عن بسط سيادتها على كامل أراضيها، ما يضعف أي مطالبة لبنانية بوقف الاعتداءات، أو الانسحاب من الأراضي المحتلة.
أمام هذا الواقع، يصبح احتمال تكريس منطقة عازلة أمراً أكثر ترجيحاً، خصوصاً إذا ترافق مع غياب استراتيجية لبنانية موحَّدة تجمع بين العمل الدبلوماسي الفاعل، والضغط الدولي، وإعادة الاعتبار لدور الدولة كمرجعية وحيدة في القضايا السيادية. فالمجتمع الدولي، رغم إدراكه لحساسية الوضع اللبناني، لن يندفع إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، ما لم يلمس جدية لبنانية في معالجة الأسباب التي تُستخدم ذريعة لتبرير العمليات العسكرية.
أما على المستوى الداخلي، فإن أخطر ما قد ينتج عن استمرار النزوح ومنع العودة هو زيادة الحساسيات وتعميق الانقسامات بين اللبنانيين أنفسهم. فكلما طال أمد التهجير، زادت احتمالات توظيفه في الصراعات السياسية والطائفية، سواءٌ من خلال إثارة مخاوف «التوطين المقنّع»، أو عبر إعادة رسم خرائط النفوذ الديموغرافي. وهذا بدوره يهدِّد ما تبقّى من صيغة العيش المشترك، التي تقوم أساساً على توازنات دقيقة وهشة.ولعل النقاش حول إقامة مركز إيواء للنازحين في منطقة الكرنتينا، وما أعقبه أمس من كلام لرئيس بلدية الحازمية، إثر إستهداف العدو شقة مسؤول في فيلق القدس، كما زعم البيان العسكري الإسرائيلي، يشكلان نموذجاً صارخاً لدقة الوضع اللبناني وما يحيط به من توتر وإحتقان مهدد بالإنفجار عند أول إحتكاك ساخن. 
لتجنب تحديات ومخاطرهذا السيناريو المتفجّر، يحتاج لبنان إلى مقاربة متعددة المستويات. أولاً، الإسراع في إطلاق تحرك دبلوماسي مكثف يهدف إلى تثبيت وقف لإطلاق النار، وربطه بآلية واضحة تضمن عودة السكان إلى قراهم تحت إشراف دولي. ثانياً، إعادة التأكيد، عملياً وليس فقط نظرياً، على حصرية السلاح بيد الدولة، بما يعزز موقعها التفاوضي ويعيد بناء الثقة مع الخارج. وثالثاً، وضع خطة طوارئ داخلية لإدارة ملف النزوح، تحول دون تحوُّله إلى أزمة دائمة أو إلى عامل تفجير داخلي.
الواقع أن لبنان لا يملك ترف الانتظار ريثما تتبلور التسويات الإقليمية. فكل يوم يمر تحت وقع الحرب يكرّس وقائع جديدة على الأرض، قد يصعب تغييرها لاحقاً. وبين حسابات القوى الكبرى وصراعاتها، يبقى التحدي الأساسي أمام اللبنانيين هو حماية بلدهم من الانزلاق إلى تغيير ديموغرافي يهدِّد وجوده السياسي، وإعادة تثبيت الدولة كضامن وحيد لوحدته واستقراره.. بل وإستمراره!