بيروت - لبنان 2023/02/08 م الموافق 1444/07/17 هـ

باقٍ في ذاكرة الوطن

حجم الخط

قلّة هم القادة الذين يرحلون، وتبقى إنجازاتهم ناصعة على جبين الوطن.
وقلّة هم الرجال الذين ينتقلون إلى دنيا الحق، وتبقى مواقفهم ساطعة في ظلام الأزمات.
وقلّة هم المسؤولون الذين يغادرون مواقع السلطة، وتبقى المسؤولية الوطنية هاجسهم الأول والأخير.
حسين الحسيني هو من هؤلاء الذين يحفرون أسماءهم في ذاكرة الوطن، وتبقى سيرتهم النضالية مصدر إلهام للأجيال.
لم يكن «أبو الطائف» نائباً عن بعلبك وتوابعها المهملة وحسب، بقدر ما كان نائباً عن كل المناطق التي أهملت عهود الإستقلال، ناسها وحاجاتها.
لم يكن رفيق درب الإمام الصدر مشاركاً في تأسيس «حركة المحرومين» في الجنوب والبقاع فقط، بل حرص أن يكون الصوت المدوي لكل المحرومين في الوطن.
لم يكن رئيس مجلس النواب في أقسى سنوات الحرب، ينتمي إلى فريق ضد آخر، ولا إلى كتلة نيابية بمعزل عن الكتل الأخرى، بل كان يعتبر أن وجوده على رأس المؤسسة التشريعية هو إلتزام وطني بإمتياز يتجاوز التنافسات الحزبية، ويبقى فوق مستوى الخلافات السياسية.
الوصول إلى إتفاق الطائف، كان تتويجاً لمرحلة طويلة من الإعداد الداخلي والخارجي، تم خلالها مناقشة أكثر من ورقة عمل، وأكثر من مشروع لميثاق وطني جديد، كان محورها الأساسي، ومحركها الدائم رئيس مجلس النواب يومذاك، الذي كان يؤمن بأن لا نهاية للحرب إلا بحل سياسي، وأن الذين خاضوا الحرب لا يستطيعون أن يصنعوا السلام. فكان أشد المعارضين للإتفاق الثلاثي الشهير، بالقدر الذي كان يسعى فيه للتوصل إلى إتفاق سلام من خلال المؤسسة التشريعية، حتى يحظى الحل المنشود بالتغطية الدستورية والشرعية الوطنية.
كان هاجسه دائما الوحدة الإسلامية، التي كان يعتبرها المدماك الأول في بنيان الوحدة الوطنية، التي تحمي صيغة العيش الواحد بين اللبنانيين، والتي جعلت لوطن الأرز مكانة مميزة في هذا الشرق، لطالما كانت موضع تقدير وتشجيع من الغرب.
قاد حوارات مؤتمر الطائف بين النواب اللبنانيين بمهارة، تسلح فيها بالصبر والحكمة، لتذويب الخلافات العقائدية والطائفية والحزبية، التي كانت تتحكم بمسار الحرب البشعة، معتمداً على الدعم السعودي اللامحدود، حيث حرص الملك فهد شخصياً على توفير كل عوامل النجاح للمؤتمر لتخليص لبنان من شرور الحرب المدمرة، وكلّف وزير الخارجية الأمير سعود فيصل بالمتابعة اليومية للمناقشات، والعمل على تذليل ما يطرأ من صعوبات وخلافات.
حاول «عرّاب الطائف» أن يكون الميثاق الجديد بداية لمسار إصلاحي شامل للدولة اللبنانية، يواكب الإصلاحات الدستورية والسياسية التي تحققت في الدستور المنبثق عن بنود الطائف، الذي كرّس أسس التوازن في السلطة، وإعتمد مبادئ الكفاءة والنزاهة والشفافية في الإدارات العامة. وكانت معاناته كبيرة من التطبيق الإستنسابي لبنود الطائف، وإهمال المواد الإصلاحية الأساسية لقيام دولة المواطنة، وفي مقدمتها إلغاء الطائفية السياسية.
إحتفظ «رجل الدولة» بمحاضر مناقشات الطائف حتى لا يستغلها البعض في فتح جروح الماضي، والتلاعب بحبال الفتنة من جديد. وكان يردد دائما: المناقشات أنتجت هذا الميثاق، فلنعمل على تنفيذ بنوده بصدق وأمانة لنترك للأجيال القادمة وطناً يستحق الحياة.
نودع اليوم القامة الوطنية الكبيرة التي تنتقل اليوم بروحها إلى باريها، داعين لها بالرحمة والمغفرة، وللعائلة الكريمة بالصبر والسلوان.


أخبار ذات صلة

جمعية "أموالنا لنا": اقفال المصارف المشبوه ربما هو للتلاعب بالأرقام [...]
رغم قطع العلاقات بين البلدين.. قبرص تقول إن تركيا قبلت [...]
الأمم المتحدة تدعو إلى وضع السياسة جانباً لتسهيل إيصال المساعدات [...]