لا يمكن الحديث عن تجربة العمل الخيري والاجتماعي في لبنان من دون الوقوف مليّاً أمام سيرة رجل استثنائي نذر حياته لخدمة الإنسان، هو الرائد الكبير محمد بركات، الذي شكّل رحيله محطة مؤثرة في الوجدان اللبناني. فالرجل الذي بدأ مسيرته بصمت وعزيمة، استطاع أن يترك بصمة لا تُمحى على جبين الوطن، ومكانة راسخة في وجدان آلاف العائلات، وأن يرفع مستوى العمل المؤسساتي الخيري إلى آفاق غير مسبوقة، عبر قيادته الحكيمة والجريئة لدار الأيتام الإسلامية.
لقد انطلقت الدار من غرفتين متواضعتين في منطقة الطريق الجديدة ببيروت، وكان أقصى طموحها تأمين سقف ولقمة ودعم تربوي بدائي لأطفال خسروا دفء العائلة. غير أنّ رؤية محمد بركات تخطّت حدود المأوى التقليدي، فتعامل مع العمل الاجتماعي بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً، لا مجرد مبادرة إنسانية ظرفية. وبفضل تخطيطه الإداري الحديث، وعزيمة لا تلين بمواجهة العقبات والصعوبات، وقدرة فريدة على حشد الطاقات والدعم، تحوّلت الدار خلال عقود قليلة إلى مؤسسة عملاقة تمتد اليوم عبر ٥٣ منشأة في بيروت ومختلف المناطق اللبنانية، تقدّم الرعاية والتعليم والتأهيل وفرص النهوض لعشرات الآلاف من الأطفال والعائلات.
كان «أبو صالح» يؤمن بأن الكرامة الإنسانية هي أساس البناء، وأن الطفل المحتضَن اليوم هو المواطن المنتج غداً، ولهذا عمل بلا كلل لتطوير البرامج التربوية، وتحديث المنشآت، وإدخال معايير مهنية رفيعة في الإدارة والخدمات الاجتماعية. فغدت دار الأيتام الإسلامية نموذجاً لمؤسسة متكاملة تجمع بين الرعاية والتعليم والتدريب المهني والتنمية المجتمعية، وتفتح أمام الأطفال أبواب المستقبل بدل أن تتركهم فريسة الحرمان.
ولم يكن نجاحه محصوراً في الجانب التنفيذي، بل امتدّ إلى العلاقات الوطنية والعربية والدولية التي أسّسها لدعم المؤسسة واستدامتها. فقد امتلك قدرة فريدة على بناء جسور الثقة، وإقناع المانحين بأن كل مساهمة تُستثمر في مكانها الصحيح، وأن العمل الخيري يمكن أن يكون فاعلاً ومؤثراً إذا استند إلى رؤية واضحة وإدارة محترفة، برزت إنجازاتها في فترة الحرب البغيضة، حيث نقل الإفطارات الرمضانية إلى حيث يتواجد اللبنانيون في مدن وعواصم الإنتشار، وأدخل مناهج التعليم والتدريب الحديثة إلى مؤسسات ومعاهد دار الإيام الإسلامية، في بيروت وفي المناطق النائية.
إما علاقة «أبو صالح» التاريخية مع «اللواء» فكانت دائما موضع إعجاب وتقدير متبادل، وجسر حوار دائم ونقاش مستفيض حول سبل النهوض الشامل، وكيفية حماية بيروت، من شرور الفتن والتجاوزات في زمن الميليشيات واشتداد العصبيات.
برحيل محمد بركات، يفقد لبنان أحد أبرز بناة العمل الاجتماعي الحديث، لكن إرث أبو صالح وبركاته، يبقى حياً في كل طفل وجد في الدار فرصة حياة جديدة، وفي كل منشأة تُواصل رسالتها بهدوء وثبات. لقد أثبت أن المبادرة الفردية حين تترافق مع رؤية مؤسساتية يمكن أن تتحول إلى مشروع نهضوي متجذر في المجتمع، وأن العمل الخيري ليس ترفاً، بل حاجة وطنية تسهم في حماية الأجيال من اليأس والإنحراف، وتعزيز تماسك المجتمع. إنها سيرة رجل آمن بلبنان وبقدرة الإنسان على التغيير، وترك وراءه صرحاً يُفاخر به كل لبناني.
إلى جنة الخلد يا رفيق الأيام الحلوة والمرّة يا أبا صالح، سنفتقد يا أخي بركاتك وإنجازاتك.