5 حزيران 2026 12:20ص فرصة إنقاذية لا ورقة تفاوضية

حجم الخط
جاء الرفض الإيراني السريع للتفاهم المبدئي الذي أفضت إليه المفاوضات المباشرة في واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، ليطرح مجدداً سؤالاً أساسياً يتجاوز تفاصيل التفاوض وحدوده: هل ما زال لبنان قادراً على تحمل كلفة ربط مصيره بالتجاذبات الإقليمية، أم أن الوقت حان لإعطاء الأولوية المطلقة لمصالحه الوطنية وأمن مواطنيه؟
من الواضح أن طهران أرادت من خلال موقفها التأكيد أنها لا تزال تعتبر الساحة اللبنانية جزءاً من أوراق القوة التي تستخدمها في المفاوضات الماراتونية مع الولايات المتحدة. كما أن هذا الموقف يعكس تمسكها بربط المسارين اللبناني والإيراني، باعتبار أن المواجهة التي خاضها حزب الله خلال المرحلة الماضية جاءت في إطار ما سُمِّيَ عملية «الإسناد لإيران»، وما تلاها من شعارات مرتبطة بالرد والثأر بعد استهداف المرشد الإيراني.
غير أن المشكلة بالنسبة للبنان لا تكمن في الحسابات الإيرانية، بل في النتائج التي قد تترتب على تعطيل أي فرصة متاحة لإنهاء الحرب وتثبيت وقف إطلاق النار. فالرئيسان، جوزاف عون ونواف سلام، وصفا المرحلة الراهنة بأنها تمثل «الفرصة الأخيرة» أمام لبنان للخروج من دوامة المواجهة العسكرية، والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية في المناطق المنكوبة.
وتزداد خطورة المشهد إذا ما أدى إفشال التفاهمات المطروحة إلى منح رئيس الوزراء الإسرائيلي الذريعة التي يبحث عنها للعودة إلى سياسة التصعيد الواسع.
 نتنياهو يواجه ضغوطاً أميركية متزايدة لإحتواء النزاع، كما يواجه انتقادات داخلية بسبب استمرار الاستنزاف العسكري. وأي تعثر في المسار التفاوضي قد يسمح له بالتحلل من هذه الضغوط والادعاء بأن الجانب المقابل غير مستعد للحلول السياسية، ما يفتح الباب مجدداً أمام موجات من الغارات والتدمير قد لا تقتصر على الجنوب، بل تمتد إلى بيروت والضاحية وسائر المناطق اللبنانية.
وفي المقابل، ثمة سؤال مشروع لا يمكن تجاهله: ما هو البديل العملي الذي يطرحه حزب الله لحماية اللبنانيين إذا انهارت فرصة التسوية؟ 
النقاش الحقيقي لم يعد بين خيار المقاومة وخيار الاستسلام كما يحاول البعض تصويره، بل بين خيار استثمار الفرصة المتاحة لتثبيت وقف إطلاق النار، وإخراج الإحتلال واستعادة دور الدولة وإطلاق ورشة الإعمار، وبين خيار إبقاء لبنان رهينة الحسابات الإقليمية، بما يحمله ذلك من مخاطر الانزلاق إلى جولة جديدة من الدمار والنزوح والخسائر البشرية.
 المصلحة اللبنانية العليا تقتضي التعامل مع اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة إنقاذية وطنية لا ورقة تفاوضية.