عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ:
«اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا، فَإِنَّ الأَرْضَ اللهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.»
ليس الإيمان مجرّد لفظٍ ينطق به اللسان، ولا إقرارٍ عابرٍ يمرّ على الشفتين، بل هو قوّةٌ تسكن أغوار القلب وأعماق الوجدان، تتجلّى حين تضطرب الموازين، وتشتدّ الخطوب، وتتكالب الظروف. إنّه ذلك النور الذي يبقى متّقدًا حين تنطفئ كلّ المصابيح، وتتهاوى الأسباب من حولك، فلا ينكسر يقينك، وتضيق بك السبل، ويبقى في صدرك متّسعٌ للرجاء كأنّك ترى وجه الله في ظلمة الليل.
المؤمن الحقّ لا يرى في الصبر انحناءً ولا خضوعًا، بل يراه ثباتًا على طريق الحقّ مهما تعثّرت الخطى؛ ولا يجعل من الشدائد نهاياتٍ مفجعة، بل يراها بداياتٍ خفيّةً لعطاءٍ إلهيّ لا تُبصره العيون في أوّله، ولكنّه يتجلّى في ثمرات اليقين. فإذا استعان بالله، لم يتّكئ على ضعفٍ بشريّ، بل استند إلى ركنٍ شديد لا ينهار ولا يتزعزع؛ وإذا صبر، لم ينتظر فرجًا عابرًا عاجلًا، بل وثق بوعد إلهيّ لا يتخلّف ولا يخيب.
وحين تتكسّر الآمال، وتتعثّر الخطى، وتتداخل المسارات، يظلّ في قلبه نورٌ خفيّ يهمس له: إنّ ما عند الله لا يُقاس بما يفوت من حطام الدنيا، وإنّ العاقبة ليست لمن يُسرع في غيّه، بل لمن يثبت على الحقّ، رافضًا لكلّ أنواع التدليس وألاعيب إبليس. يغضب للحقيقة إذا انتهكت، وينفر من المداهنة إذا استشرت، ولا تأخذه في الله لومة لائم. هو الذي يستوضح البيان عند اختلاف المسافات بين عابرٍ وعابر، فليس منّا إلّا العبور، مهما كان شأن الحضور. لا يأخذه رضاه إلى باطلٍ فيزيّنه، ولا يخرجه سخطه عن حقٍّ فيجانبه. إنّه يدرك في قرارة نفسه أنّ الدنيا زائلة مهما طال المقام، وأنّ الآخرة مقبلة لا محالة، وأنّ الحساب بينهما آتٍ عاجلًا أم آجلًا. وهيهات أن يستبدل عاقلٌ رزينٌ رزقًا بيباب قاحل، أو ماءً عذبًا بسرابٍ خادع.
فالأرض الله يورثها من يشاء، والتدبير له وحده، والمآل كلّه إليه؛ وما بين البداية والنهاية إلّا امتحانٌ دقيق يكشف معادن القلوب وصدقها. فمن حمل التقوى في سرّه وعلانيته، وأورثه الله من فضله ما لم يكن في حسبانه، وأبدله بعد العسر يسرًا، وكتب له من العاقبة ما يليق بصبره الجميل ويقينه الراسخ. فأبشروا يا أهل الصبر، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإنّ مع العسر يسرًا.
تقبّل الله صيامكم وأعمالكم، وبارك الله في عيدكم وأيامكم، وجعلنا وإيّاكم من أهل الصبر الصادق، والتوكّل الراسخ، والفوز العظيم في الدنيا والآخرة. عيد مبارك، وكلّ عام وأنتم إلى الله أقرب.
د.غازي قانصو