قال أحد الباحثين في مقال نشر له سابقا إن لقب الخواجا كان يطلق على وجهاء النصارى واليهود ولم يكن وقفاً على المجتمع البيروتي وحده. وأضاف بالحرف «وأنا لم أرَ ولم أقرأ مرة لقب الخواجا يتقدّم إسم شخص مسلم...» وأضاف بأنه «قرأ في صحف السبعينيات والثمانينيات من القرن التاسع عشر لقب (الأفندي) يلي اسم جرجس التوينـي». ونقول للصديق الباحث انه تبيّن لي ان بعض التجار المسلمين في بيروت وغيرها لُقّبوا بالخواجا.
من المتفق عليه بين المحققين بأن الخواجا أو الخواجه لقب فارسي بمعنى المعلم أو الكاتب أو التاجر أو الشيخ أو السيد. وجد في نقوش تعود إلى سنتي 557 و559هـ. ذكر ابن إياس في «بدائع الزهور ووقائع الدهور في حوادث سنة 928هـ» ان الخواجا محمود العجمي التبريزي بخان الخليلي كان في سعة من المال وكان يقرض بالربا وقد سكر يوماً وأتى الى داره فوجد جواريه قد تقاتلن فيما بينهن فحنق وضرب جارية منهن فماتت، فرسم الوالي بحبسه لأنه لم يدفع له ألف دينار ثم شفع فيه بعض الأمراء لقاء عشرة آلاف دينار. وأطلق لقب الخواجا على مصطفى ابن الخواجا رستم البرصاوي الذي أشرف على تجديد الجامع الأزهر سنة 900هـ واستعمل اللقب في عصر المماليك ضمن ألقاب التجار الأعاجم من الفرس ونحوهم كما ذكر المقريزي والقلقشندي. ألّف نجم الدين الغزي (1570-1651م) كتاب «الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة» في ثلاثة أجزاء حققه الدكتور جبرائيل سليمان جبور سنة 1945م، ذكر المؤلف فيه الكثير من الأعلام والتجار الذين حملوا لقب الخواجا، منهم قاسم الزواني وعبد الرحمن بن الجمال وابن الصيرفي الإسكندري وأبي سعيد كبير المغاربة، الذين عاصروا أحمد باشا الطاغية الذي أنعم عليه السلطان سليمان القانوني بنيابة مصر فصادر أموال التجار المذكورين وادّعى السلطنة.
ولنجم الدين الغزي المشار إليه كتاب آخر بعنوان «لطف السمر وقطف الثمر من أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر» أورد فيه ترجمة لتجار دمشقيين حملوا لقب الخواجا منهم أبو السعود بن أحمد الدمشقي المعروف بالثري، وإبراهيم بن مكسب بباب البريد، وعلاء الدين بن الحجيج الذي كان تاجراً وحمل العديد من أسرته لقب الخواجا، وعلاء الدين هو الذي بنى سنة 992هـ المنارة البيضاء على كنيسة للنصارى داخل دمشق.
ذكر أنطوان قيقانو محقق تاريخ سليمان باشا العادل (1804-1819م) الذي وضعه المعلم إبراهيم العورة ان الرتب العالية في السلطنة العثمانية قبل سنة 1832م كانت أربع درجات، الرابعة منها رتبة الخواجا وكانت تطلق على الفقهاء والكتّاب وأرباب الأقلام. وفي تاريخ الجبرتي «تقلّد الحسبة الخواجا محمود حسن ولبس الخلعة وركب وشق المدينة وأمامه ميزان».
خواجات بيروت القصار والشعار وسعادة والعيتاني والحلواني
أما بيروت فقد حمل الكثير من أبنائها لقب الخواجا. عثرنا على بعضهم في وثائق سجلات محكمة بيروت الشرعية الموجودة منذ سنة 1843م وعلى وثائق سابقة لهذا التاريخ أهمها الوثائق العائدة لأوقاف زاوية الشيخ علي القصار جد آل القصار البيارتة.
ففي 22 شعبان 1091هـ/ 1680م وقف الشيخ علي ابن المرحوم محمد الشهير نسبه بابن القصار لدى قاضي بيروت الشيخ أحمد عبد الرؤوف، عدة عقارات على زاوية لذكر الله تعالى أنشأها باطن بيروت «والمعقودة بقبة بالمؤن والأحجار وتشتمل على أوده كبيرة وأوده صغيرة وخزانة خشب وتخت لأجل الصلاة ودار صغيرة ببركة ماء يجمع من ماء المدينة بالقُرَب وبقساطل ويصعد من الدار على سلم حجر الى ظهور الدكاكين ليصلى عليهم أيام الصيف والحر...»، وقد ذيّلت وثيقة الوقف بأسماء عدة شهود كان منهم «الخواجا» عمر العيتاني.
وفي غرّة جمادى الأولى 1096هـ/1685م وقف الشيخ علي القصار لدى قاضي بيروت كمال الدين مخزناً في الاسكلة (المرفأ) يحدّه قبلة ملك «الخواجا» عمر بن محفوظ بن العيتاني وشرقاً حديقة ورثة أبي نوفل الخازن وشمالاً ملك الخواجا عمر بن الحاج حسين الحلواني. كما وقف قبواً سفلي بيت الحاج يوسف ابن الحاج محمد حندس (أصبحت حنتس لصعوبة لفظ الدال بين النون والسين لدى البيارتة) وغرباً ملك الحاج محمد بن علي الناطور... وقد ورد من ضمن أسماء الشهود الخواجا محمد جلبي شاهبندر وولده الخواجا الشيخ علي والخواجا أحمد بن سعادة. (ورد من ضمن الشهود في وثيقة وقف درويش القصار على مقام وجامع السيد البدوي في طنطا والمؤرخة في 29 شوال سنة 1233هـ اسم الشاهد الحاج يحيى جعنا ابن محمد سعادة).
وفي 8 محرم 1098هـ/ 1686م اشترى الحاج مصطفى بن المرحوم «الخواجا» محمد الشهير نسبه بابن القصار من المدعو الحاج سيف الدين بن الحاج علي العالية الشهير نسبة بالسقعان (الصقعان - السجعان) بناء وقفه على بركة ماء.
يذكر ان وثائق زاوية القصار هي من أقدم وأهم وثائق بيروت وكانت محفوظة لدى أستاذنا المرحوم الدكتور وفيق القصار الذي كان قد طلب تسجيل كتب الوقف لدى المحكمة الشرعية في بيروت فتم تسجيلها أصولاً.
وقد عثرنا على وثيقة شرعية مؤرخة في التاسع عشر من شهر رجب الفرد الحرام سنة 1265هـ/ 1849م وموضوعها مبايعة قطعة أرض في مزرعة القيراط من حنه طنوس يارد الى حبيب وميخايل وجبرائيل الجبيلي وكان من شهود المبايعة السيد أحمد ابن الحاج حسن الشعار الخواجه...
ونقول بأن ما وقفنا عليه من وثائق ومراجع يرجح أن لقب الخواجا انحصر استعماله منذ أواخر القرن التاسع عشر في وصف النصارى العثمانيين والأجانب ونعتقد بأن استعمال هذا الوصف كان من باب التكريم باعتبار أن معنى اللفظ: السيد. وبالتالي فلم يكن استعماله وقفاً على الوجهاء والبارزين ولنا على ذلك عدة شواهد.
فمن المعروف أنه لم يكن يحق للأميركيين التملّك في أراضي الدولة العثمانية، فعندما أرادت البعثة الأميركية شراء الأراضي في رأس بيروت لإقامة أبنية الجامعة لجأت الى أشخاص من التابعية العثمانية قاموا بشراء الأراضي باسمهم وأوقفوها لمصالح المدرسة الكلية (الأميركية) واشترطوا أن يكون النظر على الوقف للخواجا دانيال بلس. وبعد صدور الإذن بتملّك الأميركيين أحضر الوسطاء الى المحكمة الشرعية وأقرّوا بأن الأراضي اشتريت من أموال الأميركان وأن اسمهم كمشترين كان على سبيل العارية. ووثائق الوقف المذكور تعود للسنوات 1285 و1286هـ و1291هـ (1868، 1869 و1874م) ويتبيّن من مضمونها أن الوسطاء كانوا الخواجا ميخائيل بن يونس الغرزوزي والخواجا حبيب جرجس والخواجه يوسف خاشو. كما وردت في الوثائق أسماء للخواجه جرجس بسول والخوري ميخائيل عبد الله الخوري والخواجه حبيب نصر الخ. كما وردت في وثائق أخرى أسماء عدة أشخاص من نصارى بيروت وصفوا بلقب خواجا منهم الخواجات: يعقوب ثابت، حنا فضول الريّس، يوسف شاوول، عبد الله دبانه، نعوم وفرج ثابت ويوسف المسابكي الخ (مقاسمة عقارات أسعد إبراهيم ثابت).
كما ورد في صحف القرن التاسع عشر البيروتية لقب خواجا لنصارى عثمانيين ولأجانب منهم الخواجة سيور والخواجا بيكولو صاحب صيدلية والخواجا بطرس كريستيان والخواجا باكوبي في السوق الطويلة. وفتح الخواجه هوسمان مركز المعالجة بالتمسيد Massage سنة 1908م قرب الثكنة العسكرية (السراية الكبيرة) واستورد محيي الدين النصولي وأولاده جميع أنواع قزاز الكاز وكراسي خيزران وتخوت سبيدران من «كرخانة الخواجات ليتي». واستورد الخواجات متى ومنسى أجواخاً من الخواجات دورميل فرير. وكان محل الخواجات اميل برانجه وشركاه في سوق الطويلة. يذكر أن شركة التأمين فكتوريا دي برلين أعلنت سنة 1902م أنها تتعامل في بيروت مع بنك «الخواجات» فرعون وشيحا. وبالمناسبة نشير الى أن الأستاذ هنري فرعون بقي حتى وفاته يلقب «بالخواجه» حتى أن هذا اللقب غلب على اسمه.
والخواجا اسم أسرة مشترك بين المسلمين في جرجوع والسلطانية والمسيحيين في صليما واهدن وزحلة وزغرتا والبترون.
* مؤرخ