13 أيلول 2022 12:00ص الإحســـان إلى الجار

حجم الخط
الشيـخ د. يـوسف جمعـة سلامة*

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}.
إِنَّ الإحسان إلى الجار ومُراعاة حقوقه خُلُقٌ نبيلٌ وقيمةٌ عُظمى تُقوّي أواصر المحبّة والأُلفة، وتبثُّ روح التّعاون والتّرابط والتّكافل في المجتمع؛ لذلك حَثَّت الشّريعة الإسلاميّة الغرّاء على الاهتمام بالجار وأوصتْ به خيراً، فقد جمع الله سبحانه وتعالى الإحسان إلى الجار مع عبادة الله تعالى وَبِرِّ الوالدين والأقربين في دلالة واضحة على أهمّيته كما جاء في الآية الكريمة السّابقة، (وذكر عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - في تفسيرها: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى}، يعني الذي بينك وبينه قرابة، {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} الذي ليس بينك وبينه قرابة).
ومن المعلوم أنّ الجيران ثلاثة: جارٌ له حقٌّ واحد، وجارٌ له حقّان، وجارٌ له ثلاثة حقوق:
أمّا الجار الذي له حقٌّ واحد : فالجار غير المسلم ، ليس له إلا حقّ الجوار.
وأمّا الجار الذي له حقّان: فالجار المسلم غير القريب، له حقّ الجوار، وحقّ الإسلام.
وأمّا الجار الذي له ثلاثة حقوق: فالجار المسلم القريب، له حقّ الجوار، وحقّ الإسلام، وحقّ القرابة.
ومن الجدير بالذكر أنّ المسلمين قد ساروا على هَدْي القرآن الكريم وسنّة رسولنا -صلى الله عليه وسلم -، فأحسنوا إلى جيرانهم وعاملوهم مُعاملة حسنة، وقد كان لهذه المُعاملة الطّيبة أثرٌ كبيرٌ في بناء مُجتمع إيمانيّ قويّ مُترابط مُتماسك مُتحابّ، كما كان لها أثرٌ في الآخرين أيضاً، حيث كانت سبباً في دخولهم في الدين الإسلاميّ الحنيف وإقلاعهم عن المعاصي والذّنوب.
حقوق الجار في الإسلام
إِنَّ للجار في الإسلام حقوقاً كثيرة وعديدة، وهذه الحقوق في جُملتها تقع في ثلاثة حقوق عامّة، وهي: الإحسان إليه، وكفّ الأذى عنه، واحتمال الأذى منه:
- أمّا الحقّ الأوّل، فهو الإحسان إلى الجار، فقد أَمَرَ بهِ الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا}، وحثّ عليه رسولنا -صلى الله عليه وسلم - كما جاء في قوله -عليه الصّلاة والسّلام-: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ).
ومن صُوَرِ الإحسان إلى الجار: إكرامه، فقد جعله رسولنا -صلى الله عليه وسلم - من الإيمان ، كما في جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : (... ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ)، وكذلك حبّ الخير له، كما جاء في قوله -صلى الله عليه وسلم -: (وَالَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ قَالَ لأَخِيهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ).
- وأما الحقّ الثّاني، فهو كفّ الأذى عن الجار، فقد أمرَ بذلك رسولنا -صلى الله عليه وسلم -، كما جاء في قوله -عليه الصّلاة والسّلام- : (واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ. قيلَ: ومَن يَا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ)، فهذا تعظيم لِحَقِّ الجار ووجوب كفِّ الأذى عنه؛ لأنّ الإضرار به من كبائر الذّنوب والمعاصي.
- وأمّا الحقّ الثّالث، فهو احتمال الأذى من الجار، والصّبر على ذلك، كما جاء في قول رسولنا صلى الله عليه وسلم : (ثَلاثَةٌ يُحِبُّهمُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ، وثَلاثةٌ يُبغضُهمُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ، وذكرَ مِن الثّلاثة الذين يحبّهم الله عزَّ وجلَّ... وَرَجُلٌ لَهُ جَارٌ يُؤْذِيهِ فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ وَيَحْتَسِبُهُ حَتَّى يَكْفِيَهُ اللهُ إِيَّاهُ بِمَوْتٍ أَوْ حَيَاةٍ...)، فَتَحَمُّل الأذى من الجار والصبر عليه يجعلنا مِمّن يُحِبُّهم الله عزّ وجلّ.
توجيهات نبويّة في الإحسان إلى الجار
حرصاً من رسولنا -صلى الله عليه وسلم - على سلامة النّسيج الاجتماعيّ وحمايته من التّفَكّك، فقد حثَّ -عليه الصّلاة والسّلام- على وجوب رعاية حقّ الجوار؛ ليكون المجتمع المسلم كالجسد الواحد، فمن حقّ الجار على جاره أن يكون له في الشّدائد عوناً، وفي الرّخاء أخاً، يحزن لِحُزنه ويفرح لفرحه، يُنَفّس عنه كُرُباته ويقضي له حاجاته، وَيُهنّئه إذا أصابه خير، ويدفع عنه الأذى والمكروه، فقد ذكرت السُّنَّة النّبويّة الشّريفة توجيهات عديدة في الإحسان إلى الجار، منها:
- عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْجَارِ عَلَيّ؟ قَالَ: (إنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ شَيَّعْتَهُ، وَإِذَا اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِذَا افْتَقَرَ عُدْتَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْته، وَلا تَسْتَطِلْ عَلَيْهِ بالبُنْيَانِ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إلا بِإِذْنِهِ، وَلا تُؤْذِهِ بقتار ريح قِدْرِك إلا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا، وإن اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً فَأَهْدِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا ، وَلا يَخْرُجُ بِهَا وَلَدُك لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ).
- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِي اللَّه عَنْهَما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِه).
- عَنْ ابنِ عُمَرَ -رَضِي اللَّه عَنْهَما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ).
الإحسانُ إلى الجارِ طريقٌ إلى الجَنَّةِ
إنَّ الإحسانَ إلى الجارِ طريقٌ إلى الجَنَّةِ، كما أنَّ أذَى الجارِ والإساءةَ إليهِ طريقٌ إلى النّارِ؛ لِمَا جاء في الحديث الشّريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَة -رضي الله عنه- قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ).
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: كُنْ مُحْسِناً، قَالَ: كَيْفَ أَعْلَمُ أَنِّي مُحْسِنٌ؟ قَالَ: سَلْ جِيرَانَكَ، فَإِنْ قَالُوا: إِنَّكَ مُحْسِنٌ فَأَنْتَ مُحْسِنٌ، وَإِنَّ قَالُوا: إِنَّكَ مُسِيءٌ فَأَنْتَ مُسِيءٌ).
- عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ).
فلا بُدَّ أن نحرص على المُحافظة على حقوق الجيران ورعايتها، والعمل على الإحسان إليهم؛ ليَشهدُوا لنا بالخيرِ، ويكون ذلك سبباً في غفران ذنوبنا، كما جاء في الحديث الشّريف عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَهْلِ أَبْيَاتِ جِيرَانِهِ الأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ مِنْهُ إِلا خَيْراً، إِلا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَبَارَكَ: قَدْ قَبِلْتُ قَوْلَكُمْ - أَوْ قَالَ: شَهَادَتَكُمْ - وَغَفَرْتُ لَهُ مَا لا تَعْلَمُونَ).
اطـرحْ متاعك في الطريق
من المعلوم أنّه لا يجوز للجار أن يظلم جاره أو يبطش به أو يُسيء إليه؛ لذلك يجب على أفراد المجتمع وقتئذ أن يقفوا مع المظلوم والمُعْتَدَى عليه ضِدّ الظالم؛ لِمَا رُوي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم - يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاصْبِرْ، فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلْ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لا تَرَى مِنِّي شَيْئاً تَكْرَهُهُ).
ما أجمل ديننا الإسلاميّ الحنيف الذي يحرص على تقوية الرّوابط الأخويّة في المجتمع، ويبدو ذلك واضحاً وَجَلِيًّا من خلال اهتمامه بالجار، والحثّ على مراعاة حُقوقه، والإحسان إليه، وتحريم إيذائه وَظُلْمِه، ووجوب مُنَاصرة المظلوم وَرَفْعِ الظُّلمِ عنه، واستنكار الإساءة إليه؛ لأنّ المسلمين كالجسد الواحد.
* خطيب المسجد الأقصى المبارك