المحامية ندين عراجي الغول
كانت السيدة عائشة خليل صيداني، تملك أرضاً صغيرة تبلغ مساحتها أربعة وثمانين متراً في تلّة الخيّاط، فيها بيت صغير تسكن فيه، والى جانبه دكانٍ صغيرٍ لبيع الأعشاب والبزورات. ثمّ تزوجت من شاب يصغرها بعشرين سنة يدعى محمد أحمد بكّار، فاجتمعا على حبّ اللّه ورسوله، ليقيما زاوية صغيرة بجانب الدكان سنة 1924، لأداء الصلاة وسماع سيرة النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، وعرفت هذه الزاوية بإسم «زاوية عائشة بكّار» التي تُعدّ الزاوية الوحيدة في بيروت ولبنان التي حملت اسم امرأة.
وكانت أمنية السيدة عائشة صيداني بكار أن تحوّل الزاوية الصغيرة مع الدكان الى جامع صغير في الأرض التي تملكها ليكون صدقة جارية، وخصّصت أموالها بانتظار أموال المحسنين، لإنشاء الجامع الذي يحمل اسمها مع اسم عائلة زوجها، وهما لم يرزقا بأولاد.
وافت المنيّة السيدة عائشة بكار سنة 1933 قبل أن تتحقّق أمنيتها، فكان زوجها محمد بكار وفيّاً لها ولم يتزوّج بعدها، ونشط خلال ست سنوات لتحقيق أمنية زوجته الراحلة، وأنجز إنشاء الجامع بما ورثه منها وبأموال المحسنين، فوق مساحة خمسة وثلاثين متراً مربعاً تكريماً لها وذلك عام 1938 حيث عُرف بمئذنته المتواضعة منذ ذلك التاريخ بجامع عائشة بكار. وعُرفت المنطقة المحيطة به بإسم «محلة عائشة بكار».
وفي عام 1951، أنجزت جمعية بناء وترميم المساجد في لبنان برئاسة الشيخ أحمد العجوز، بناء المئذنة على الطراز الحديث ترتفع خمسة وثلاثين متراً، لتحلّ مكان المئذنة المتواضعة.
تأسست رابطة الشباب الإسلامي المثقف برئاسة الشيخ أحمد محمد عساف (1937-1982) في العام 1961، اتخذت الرابطة القرار التاريخي بإعادة بناء جامع عائشة بكار الصغير الذي لا تتجاوز مساحته أربعة وثمانين متراً مربعاً ضمن مركز إسلامي يفي بحاجات المنطقة ليضم أيضاً قاعة كبيرة في الطابق السفلي لإقامة الندوات والمحاضرات ومجالس العزاء، الى جانب المكتبة وقاعة أخرى في الطابق العلوي، لذلك انتدبت الرابطة رئيسها الشيخ أحمد محمد عسّاف مع مستشار الرابطة شيخ المذيعين شفيق جدايل، للسفر الى الكويت، فجمعا تسعة آلاف ليرة لبنانية والتي كانت نواة المشروع.
وفي 10 شباط 1972، انطلق أعضاء الرابطة لجمع التبرعات من المساجد ومن أهل الخير أمثال خالد أبو السعود الذي تبرّع بسخاء، ومحمد حسين المطهر الذي دفع قيمة بناء الجامع بالباطون المسلّح. وتمّ افتتاح المركز الإسلامي - عائشة بكار يوم الخميس 10 تشرين الأول 1974.
وتحوّل جامع عائشة بكّار الى منبر لخطابات الشيخ أحمد محمد عساف للمدافعة عن بيروت وأهلها ضد ممارسات الميليشيات وحروبها الصغيرة التي أدّت الى الفلتان الأمني مع اندلاع الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975، وهدفه وحدة تراب الوطن، فسقط شهيداً في 26 نيسان 1982، بعدما أطلق مسلحون النار عليه أثناء خروجه من الجامع بعد صلاة العشاء.
ثمّ تولّى القاضي الشيخ حسن تميم رئاسة المركز الإسلامي - عائشة بكار ليتولاه بعد وفاته المحامي محمد أمين الداعوق، ثم المهندس علي نور الدين عساف الذي عرف المركز معه عصره الذهبي.
لقد تطوّر المركز الإسلامي في عائشة بكّار ليضمّ مدرسة مهنية في الخياطة والحياكة والسكرتاريا والكومبيوتر والعلوم التجارية واللغات، ومركزاً للإغاثة والعمل الخيري والإنساني، فضلاً عن مستوصف خيري ضمّ نخبة من الأطباء في مختلف الاختصاصات.
وفي سنة 2013، أطلق فوج المركز الإسلامي الكشفي للبنين والبنات، وضمّ مركزاً لتحفيظ القرآن وعلومه، كما ضمّ أيضاً عيادات طب الأسنان وعيادات من مختلف الاختصاصات الطبية.
انها البذرة الطيبة التي غرستها المرأة البيروتية عائشة خليل صيداني، ورعاها زوجها محمد أحمد بكار، لترتفع مئذنة جامع عائشة بكار، وتثمر البذرة الطيبة مركزاً إسلامياً حول الجامع الوحيد في بيروت ولبنان الذي يحمل اسم امرأة حلمت ببناء الجامع وحقّق الله سبحانه وتعالى هذا الحلم وأكرمها بمركز إسلامي حوله بمسعى من مؤسّسه ورئيسه الشيخ الشهيد أحمد عساف والد أحد أركان المركز العلّامة الدكتور القاضي الشيخ محمد أحمد عساف رئيس المحكمة الشرعية السنيّة العليا في لبنان.
* دبلوم دراسات عليا في التاريخ