الشيح حسن محمود العرب*
يقول الله عز وجل: {من عمل صالحاً من ذكرٍ أو انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}. وهذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحاً من ذكر أو انثى من المؤمنين بأن يحييه حياة طيبة.
ان الحياة الطيبة مطلب كل إنسان، يسعى لتحقيقها في بيته وعمله، ويريد أن يجدها بين أهله ومع اصدقائه، فهي سعادة يشعر بها المرء، فيكون من أطيب النّاس عيشا، وأشرحهم صدراً، تملأ الطمأنينة قلبه، وتغمر السكينة جوارحه، يتقلب في نضرة النعيم، يهنأ بصفاء الخاطر، وراحة البال، وذلك لما تشمله الحياة الطيبة من أسباب الراحة كلها.
فما هي أسباب الحياة الطيبة؟ إن الإيمان بالله تعالى من أعظم أسباب الحياة الطيبة (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) ويشرح له صدره، ومن استقر الإيمان في قلبه، وأحسن عمله، أكرمه الله تعالى بالحياة الطيبة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، قال عز وجل: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب}. اي: تطيب حياتهم، فهم يستشعرون قيمة وقتهم، فيعمرونه بطاعة ربهم سبحانه، ويحافظون على صلاتهم، ويجدون فيها سعادتهم وراحتهم، قدوتهم في ذلك سيدنا ونبينا محمّد صلى الله عليه وسلم القائل: «يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها»، فبالصلاة وذكر الله تطيب النفوس، قال سبحانه: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} ومن ذكر الله تعالى قراءة القرآن لتشقى«. فكلما ابلت على كتاب ربك تتلو آياته ازداد لسانك طيباً، ونفسك طمأنينة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة. طعمها طيب، وريحها طيب».
ومن أسباب الحياة الطيبة، الكسب الحلال، قال تعالى: {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي انتم به مؤمنون}. ومن تقوى الله عز وجل في طلب الرزق أن يتحرى المرء الإتقان في عمله، والأمانة والصدق في تعاملاته، فتطيب حياته، فإذا زكى قبلت زكاته، وإذا تصدق ضاعف الله سبحانه أجر صدقاته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي احدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل»، والفلو هو المهر الصغير، وإذا كنت يا عبد الله قانعاً بما رزقك الله تعالى من الحلال الطيب، راضياً بما قدره لك، ورزقك إياه استراحت نفسك وطاب عيشك، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع»، والقناعة من معاني الحياة الطيبة وأسبابها، وهي كنز لا يفنى.
ومن أسباب الحياة الطيبة الهانئة، الأسرة السعيدة، قال تعالى: {والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات}، أي: الطيبات من النساء للطيبين من الرجال. فما أصيب حياة الأسر التي تبنى على طاعة الله تعالى، وتسود فيها قيم المودة والرحمة، وتكتمل سعادتها بالذرية الصالحة، فالأولاد ثمرات الفؤاد، وفلذات الاكباد، وزينة الحياة، ذرية مباركة طيبة، فقد توجه سيدنا زكريا عليه السلام إلى الله تعالى بطلب الذرية الطيبة، وتضرع بين يديه بالرجاء فقال: {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء}، و(ذرية طيبة) اي: نسلاً صالحاً مباركاً. وبذلك تكتمل الأسرة الطيبة، المتماسكة السعيدة، وتعيش في مودة، وتنعم بالرحمة والمحبة، والاستقرار والأمان، والتألف والإحسان.
إن تقديم الإحسان إلى النّاس من صور الحياة الطيبة، والسعادة الغامرة، تشعرون بها عند كل لمسة وفاء، وصنع معروف، وكلمة طيبة، كيف لا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «الكلمة الطيبة صدقة» يقبلها الله تعالى، ويفتح لها أبواب السماء {إليه يصعد الكلام الطيب والعمل الصالح يرفعه}، والكلمة الطيبة تزرع لك في قلوب الآخرين محبة، وتغرس لك في نفوسهم مودة، فإن اثرها ثابت، وأجرها في السماء صاعد، قال تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون} فإذا اعتاد اللسان ان ينطق بالطيب من القول، والعذب من الكلام، فان صاحبه يكون بين النّاس محبوباً، والتعامل معه مرغوباً، فيسعد في حياته، ويهنأ عيشه، ويعم على النّاس خيره، وتزداد به البركة في وطنه، قال عز وجل: {والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه}.
* إمام وخطيب المركز الإسلامي في بعبدا - سبنيه