د. علي معطي*
تحدثنا في الجزء الأول من هذه الدراسة عن ما قاله المدعو مصطفى راشد حول المسجد الأقصى وبيّنا عددا من النقاط التي لا بد لكل قارئ أن يعلمها.
واليوم نكمل في الجزء الثاني ردّنا هذا لعلّه يكون توعية في ظل الجهل المقصود الذي يُراد له الانتشار بين صفوف المسلمين..
و- ولما وصل الرومان إلى الشرق العربي، وتغلّبوا على السلوقيين في بلاد الشام، أصبحت فلسطين تحت حكم روما، واحتلّ القائد الروماني بومبيّ سوريا وضمّها إلى سلطته عام 64 ق.م. وفي العام التالي دخل مدينة القدس، وجعلها تابعة لحاكم سوريا العام المعيّن من قبلهم.
أما خلفاء هذا الإمبراطور فقد عيّنوا على مملكة يهوذا والجليل الملك هيرودس الأدومي سنة 39 ق.م. الذي استمر حتى وفاته سنة 4 ق.م. والذي أعاد بناء بيت المقدس من جديد، كما بنى لليهود هيكلاً في مدينة السامرة التي أطلق عليها اسم سبسطية كما ذكرنا قبلاً.
بعد وفاة الملك الأدومي، اضطربت الأحوال في فلسطين بسبب سوء تصرّف الموظفين الرومان، وبسبب اضطهاد اليهود للنبي عيسى عليه السلام الذي بعثه الله بينهم، ورفعه إليه عام 29م.
ولمّا ثار سكان مملكة يهوذا ومدينة القدس على الحكم الروماني عام 66م، دخل القائد الروماني تيطوس ابن الامبراطور فسبسيان مدينة أورشليم، وقضى على الثورة فيها، وخرّب معالمها، وأحرق هيكلها، وذبح علماءه، وعدداً كبيراً من اليهود، وساق الآخرين عبيداً، وكان ذلك في عام 70م. وقد بالغ المسعودي عندما قال أن عدد القتلى من اليهود والنصارى كانوا ثلاثة آلاف (التنبيه والإشراف، ص110).
على أثر هذه المذبحة ساد الهدوء في فلسطين حوالى نصف قرن، ولما اشتعلت الثورة من جديد بقيادة أحد زعماء اليهود المدعو «بادكوخيا» ودامت ثلاث سنوات (من عام 132 إلى عام 135م)، جرّد الرومان عليهم حملة عسكرية ضخمة بقيادة الامبراطور هادريان اجتاحت مواقعهم وأزالت قلاعهم وأحرقت قراهم ومدنهم التي كان من بينها مدينة القدس، التي حوّلها هادريان إلى مستعمرة رومانية وحكمها حكماً مباشراً، وحرّم على اليهود السكن فيها، وأطلق عليها اسمه الأول: «إيلياء»، وأسكن فيها أقواما آخرين بعد أن خرّب معالمها وهدّم معابدها، وقتل عدداً كبيراً من أهلها. (وقد بلغ عدد الذين قتلوا في هذه المعارك ما يقارب 580 ألفاً، عدا من هلك جوعاً ومرضاً وحرقاً).
ولا جرم أن هذه الضربة التي وجهها هادريان الروماني إلى اليهود كانت الضربة الأخيرة التي تلقّاها هؤلاء في فلسطين، بحيث انهم لم يعد لهم أي وجود أو كيان فيها طوال العصور التالية.
ز- لقد كانت لهذه الأحداث أثر كبير في انتشار المسيحية، وتفوّقها على الديانات الأخرى في الشرق والغرب معاً، وخصوصاً بعد أن اعتنق الامبراطور قسطنطين الأول المعروف بالكبير (280 - 337م) النصرانية، ونقل عاصمة بلاده من روما إلى بيزنطية التي كانت قرية صغيرة على مضيق البوسفور وسمّاها بإسمه القسطنطينية (عام 330م) (وهي استامبول اليوم).
وكانت خطواته الأولى: إصداره مرسوماً، مَنح بموجبه للمسيحيين حرية العبادة في جميع أقطار الامبراطورية الرومانية (313م)، وبناءه كنيسة القيامة في القدس، وفي المكان الذي حاول فيه اليهود قتل عيسى عليه السلام (يطلقون عليه النصارى اسم الجلجلة)، وإدخاله إصلاحات كثيرة على المدينة المقدّسة التي زارتها والدته الامبراطورة هيلينا عام 326م، وأشرفت على إعادة بنائها وإعمارها.
ولما اعتلى جوليان (أو يوليانس) عرش الامبراطورية البيزنطية (361-363م)، انحرف عن المسيحية، وأمر بإعادة بناء هيكل المدينة أي المسجد الأقصى الذي هدمه هادريان. وبذلك نستطيع القول بأن المسجد الأقصى كان موجوداً وقائماً، عندما أسرى الله تعالى برسوله محمّد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لا كما يدّعي هذا الشيخ المنافق المدعو مصطفى راشد.
وفي ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُتيتُ بالبراق - وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه - فركبتُ حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصلّيتُ فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن. فقال جبريل عليه السلام: أخترتَ الفطرة، ثم عرج بنا الی السماء». (أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك).
6- ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا المسجد قد تعرّض للإهمال من قبل السلطات التي حكمت سوريا وفلسطين في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام بقرنين أو أكثر سواء أكانت فارسية وثنية، أو بيزنطية مسيحية - وخصوصاً بعد أن انتشرت الوثنية بشكل واسع في معظم أقاليم شبه الجزيرة العربية وفي بلاد الشام والعراق، حيث ان الحرم القدسي الشريف وأبنيته قد تحوّلت في الفترة التي سبقت فتح المسلمين لبيت المقدس، مكبّاً للنفايات وبقايا الأبنية.. وهذا ما جعل عمر بن الخطاب يصعب عليه التعرّف على المسجد الأقصى وبقعة الإسراء والمعراج. وقد استعان باكتشافه وتثبيته لهذه البقعة بالبطريرك صفرونيوس الذي كان أهم شخصية دينية في فلسطين حينذاك.
وتذكر المصادر الإسلامية أن الخليفة عمر، وبعد أن أنهى مراسم التسلّم والتسليم مع البطريرك، وأعطى البطريرك عهدته المشهورة، وأخذ منه مفاتيح المدينة، طلب من صفرونيوس أن يدلّه على مكان الإسراء والمعراج، فوافق البطريرك، وخرج مع عمر في موكب كبير يضمّ أعيان المسيحيين والمسلمين.
سار عمر والبطريرك بجانبه، مع مرافقيهم حتى دخلوا بيت المقدس المسودّة، متجهين إلى المكان الذي عُرّف بأنه المسجد الأقصى، وتوقفوا عنده. ويبدو ان المكان كان مطموراً بالأوساخ وببقايا أحجار وأعمدة وأسقف من مبنى كبير. ولما رأى البطريرك صفرونيوس منظر المكان أو الخراب قال لعمر: لن نقدر أن ندخله إلا حبواً، فأجابه عمر: «ولو حبواً»، فحبا البطريرك وحبا خلفه عمر ومن معه حتى أفضوا إلى صخرة بيت المقدس.. نظر عمر بن الخطاب حوله بشيء من التمعّن والتأمّل، ثم التفت إلى من حوله قائلاً: «هذا والله الذي وصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم سجد وسجد المسلمون معه.
ولما كشف عمر الصخرة وعلم مكانها، ملأ ذيل قميصه من الزبل الذي كان عليها وحمله، وملأ النّاس كلّهم أذيال ثيابهم تشبّهاً به، وألقوه بالوادي.. وأمر عمر المسلمين بالصلاة في موضع جنوبي الصخرة، حيث يقع جامع المغاربة حالياً، وأذّن بلال للصلاة بعد أن كان قد اعتكف عن الآذان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصلّى المسلمون، وصلّى بينهم عدد كبير من كبار الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كان من بينهم: أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وخالد بن الوليد، وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر وعبدالله ابن سلّام، وعوف بن مالك الأشجعي، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وعبادة بن الصامت الذي كان أول من وَلِيَ قضاء فلسطين وسكن القدس ومات فيها، وشدّاد بن أوس المحدّث المشهور الذي روى عنه المؤرخون المسلمون فتح بلاد فلسطين، وعاش في القدس ومات فيها.. وغيرهم وغيرهم.
قبل أن يغادر الخليفة عمر بيت المقدس، أمر المسلمين ببناء مسجد في الموضع الذي أمّ فيه المسلمين للصلاة قرب الصخرة، وفي المكان الذي عُقِلَ فيه البراق خلال المعراج، بحيث يكون محاذياً لسور المسجد الأقصى من جهة القبلة. وكان هذا المسجد في غاية البساطة، بناه المسلمون من عروق خشبية ضخمة، وجعلوه مربع الشكل ليتّسع في وقت واحد لحوالي ثلاثة آلاف من المصلّين المسلمين.
7- إنّ اسم المسجد الأقصى قد اقتبس من قول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء آية 1)، فالله سبحانه وتعالى أسرى برسوله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أي الأبعد الذي يوجد في مدينة القدس البعيدة عن مكة وحرمها، وليس إلى موضع الجِعْرانة القريب جداً من مكة وحرمها وكعبتها، (كما أشرنا إلى ذلك في رقم 1 من هذا الرد)، وبذلك تكون هذه الآية الكريمة قد كذّبت هذا الشيخ المزيّف الذي ينتمي على ما أعتقد إلى فئة يهود الدونمة الذين يكثر وجودهم في بلاد المسلمين.
8- إن المساحة التي يشغلها الحرم القدسيّ تبلغ 141 دونما، وتشتمل على القسم المُغطّى من المسجد الأقصى في الجنوب، ومن الصخرة المشرّفة في الجهة الشمالية، ومن المساطب والأروقة والقباب والسيل والمحاريب والساحات المزروعة.
أما المسجد الأقصى الذي جدّد بناؤه الخليفة عبد الملك بن مروان، وأتمّه ابنه الوليد، كان ضعف مساحة البناء الموجود حالياً، وذلك يعود إلى أن الخليفة الفاطميّ المعزّ لدين الله قام بتضييق مساحته، فأزال من جهة الغرب أربعة أروقة، ومن جهة الشرق أربعة أخرى، بحيث أصبح طوله 88 متراً وعرضه 35 متراً، ويقوم على 53 عموداً و49 سارية مربعة الشكل.
ويصف ابن عساكر المسجد الأقصى الذي جدّد بناءه عبد الملك على الشكل التالي: كان فيه من الخشب المسقف سوى أعمدة خشب، ستة آلاف خشبة، وبه خمسون باباً، وله ستمائة عمود من رخام، وفيه خمسة آلاف قنديل، يُسرج معها شمعة ليلة الجمعة، وليلة نصف رجب، ونصف شعبان، ونصف رمضان، وفي ليلتي العيدين. وفيه خمسة عشرة قبّة سوى قبة الصخرة، وعلى سطح المسجد من شقف الرصاص سبعة آلاف شقفة وسبعمائة، ووزن الشقفة سبعون رطلاً شامياً عدا عن الذي على القبة المشرّفة.
وعندما أراد أن يبني مسجداً على قبة الصخرة المشرّفة استشار عبد الملك كبار العلماء والفقهاء وأولي الرأي من المسلمين، وأرصد له خراج مصر على مدى سبعة أعوام، وسكب على قبّته الذهب المذاب، حتى غدا درّة في جبين العمارة الإسلامية. وفي ذلك أجمع المؤرخون والأثريون على ان قبة مسجد الصخرة نالت من الاهتمام شأواً عالياً، وبلغت من الكمال والبهاء والروعة ما لا يزيد بعده لمزيد. وفي هذا المعنى قال المستشرق الانكليزي هايتر لويس في كتابه «الأماكن المقدّسة»: «ان مسجد الصخرة بلا شك من أجمل الأبنية الموجودة فوق هذه البسيطة، لا بل إنّه أجمل الآثار التي خلّدها التاريخ».
إنّ عناية المسلمين بالمسجد الأقصى على مرِّ العهود الإسلامية، وخاصة عندما كان هذا المسجد يتعرّض للتصدّع أو التهديم بسبب زلزال أو اعتداء عدو، كان ظاهراً جداً. لقد جعل المسلمون من بنائه مثالاً لطراز العمارة الإسلامية المتميّز. وجعلوا من تضحياتهم الكبرى مثالاً يُحتذى في الدفاع عن المقدّسات والأرض والدين. والحمد للّه رب العالمين، الخبير العليم، الغفور الرحيم، وإليه المصير.
* عضو اللقاء الإسلامي الوحدوي