بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 آب 2023 12:00ص النفس بين الكسب والإلهام ما الفجور وما التقوى؟

حجم الخط
د. محمد قاسم المنسي*

الفجور في اللغة من فجر فجورا أي مضى في المعاصي غير مكترث.. ومن ثم تدلّ هذه المادة على أمرين:كثرة الاقدام على المعاصي، وعدم الاكتراث أو الاهتمام بنتائجها وبعبارة أخرى، عدم احترام قيم المجتمع وتقاليده..
أما التقوى فهي من الفعل وقى أي حمى وحافظ، والتقوى هي خشية الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
ومن هنا يمثل الفجور قمة المعصية والفساد والخروج على كل القواعد الأخلاقية، وتمثل التقوى قمة الإيمان والطاعة والاستقامة والصلاح والالتزام..
والسؤال هنا:
إذا كان من أهداف الدين إعلام الناس بما هو فجور أو فساد حتى يجتنّبوه، و ما هي التقوى أو الصلاح حتى يتبعوه، فما فائدة النص على الإلهام بالفجور والتقوى، وهما أمران معلومان بحكم الرسالة الإلهية والرسل الذين أرسلهم الله؟
والجواب هو أنه لم يكن الغرض من ذكر الفجور والتقوى هو تكرار الإشارة إليهما، وإنما كان الغرض هو الالتفات إلى ما أودعه الله في النفوس من حرية الاختيار، والإشارة كذلك الى وجود قوة واعية في النفس قادرة على الاختيار والتوجيه، توجيه الاستعدادات الفطرية القابلة للنمو في حقل الخير أو في حقل الشر، فهي حرية تقابلها مسؤولية، وقدرة يقابلها تكليف، ومنحة يقابلها واجب..

تكوين النفس البشرية

ولمزيد من الإيضاح نقول ان هذا الكائن (الإنسان) مخلوق:مزدوج الطبيعة (التكوين)، مزدوج الاستعداد، مزدوج الاتجاه، ومعنى أنه مزدوج أنه بطبيعة تكوينه (من طين الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه)، مزوّد باستعدادات متساوية في الخير والشر، والهدى والضلال، كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير أو الى الشر سواء، وهذه القدرة كامنة في كيانه في صورة استعداد...
والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها (تقوّيها) وتوجهها هنا أو هناك.. ولكنها لا تخلقها خلقا، لأنها مخلوقة فطرة، وكائنة طبعا، وكامنة إلهاما..
وهناك الى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة، قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان.. هي التي تناط بها التبعة... فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعداد الخير فيها، وتغليبه على استعداد الشر.. فقد أفلح.. ومن أظلم هذه القوة وخبأها وأضعفها فقد خاب.

جمع الخير والشر

والسؤال هنا أيضا: كيف نجمع بين حرية الإنسان في الاختيار بين الخير أو الشر وبين المشيئة الإلهية التي شاءت له هذه الحرية فيما يختار؟؟
والجواب هو أن حرية الاختيار جزء من المشيئة الإلهية المطلقة في الكون كله وليس في الإنسان فحسب، ومن خلق الإنسان بهذه الكيفية هو الذي أعطاه هذه المشيئة (حرية الاختيار) ومن ثم لا تعارض بين الأمرين، ولو قلنا بالتعارض لوقعنا في التناقض؛ إذ كيف يتعارض أمر جزئي مع أمر كلي، والأمران صادران من جهة واحدة.
أضف إلى ما سبق ان الإلهام بالفجور والتقوى لم يكن ليتحقق في أرض الواقع إلّا مع وجود حرية الاختيار، إذ لا معنى لوجود حرية الاختيار إذا كان المطلوب أحد الأمرين لا كليهما، ولو توقف الأمر عند هذا الحد، لكان ذلك من مقتضى العدل الإلهي، الذي خلق الاستعداد للطاعة أو للمعصية، وخلق القوة الواعية التي تختار أحد الأمرين: الطاعة أو المعصية، لكن الله تعالى لا يعامل عباده بالعدل وإنما يعاملهم بالفضل.
ومن هنا تجلّت رحمة الله بالإنسان فلم يدعه لاستعداد فطرته الالهامي، ولا للقوة الواعية المالكة للتصرف، فأعانه بالرسالات التي تضع له الموازين الثابتة الدقيقة، وتكشف له عن موحيات الإيمان، ودلائل الهدى في نفسه وفي الآفاق من حوله، وتجلو عنه غواشي الهوى فيبصر الحق في صورته الصحيحة..
وبذلك يتضح له الطريق وضوحا كاشفا لا غبش فيه ولا شبهة، فتتصرف القوة الواعية حينئذ عن بصيرة وإدراك لحقيقة الاتجاه الذي تختاره وتسير فيه.

حتى يغيّروا

ومن الإلهام المتصل بهذه الآية الكريمة، أنها تلقي المسؤولية على الإنسان في تحديد مصيره في أي أمر، فتجعل أمره بين يديه لكن في إطار المشيئة الكبرى، فتحرك في نفسه كل مشاعر اليقظة والتحرج والتقوى، وهو يعلم أن (قدر الله فيه) يتحقق من خلال تصرفه هو بنفسه، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: {ان الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم}.
وعند هذا القدر من النظر والتأمل نستمع إلى أقوال العارفين:
يقول ابن عجيبة: فألهمها فجورها وتقواها أي ألهمها طاعتها ومعصيتها، وأفهمها قبح المعصية وحسن الطاعة.. وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين...
ويحتمل أن تكون (الواو) بمعنى (أو) كقوله تعالى: {إنا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا} أي ألهم من أراد شقاوتها فجورها، فسعت إليه، وألهم من أراد سعادتها تقواها ، فسعت إليه.
وبقي لي أن أقول، ان مشكلة العالم الإسلامي أمس واليوم وغدا أنه لم يعرف كيف يغيّر ما بنفسه حتى يغيّر الله أحواله وأوضاعه، ورغم النفي الإلهي الواضح {لا يغيّر ما بقوم} ورغم الرسالة الصريحة {حتى يغيّروا ما بأنفسهم} إلّا ان الغالب على مسلمي هذا الزمان هو انتظار أن يغيّر الله ما لم نقم نحن بتغييره، المشكلة إذن مشكلة نفسية قبل أي أمر آخر... والله المستعان.

* أستاذ في جامعة القاهرة