بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 أيلول 2022 12:00ص انعدام الكرامة الإنسانية وانتكاس الفطرة البشرية

حجم الخط
من يراقب ما آلت إليه أحوال المجتمع اللبناني بمختلف طبقاته ومستوياته، يجد بما لا يدع مجالا للشك أن الفطرة البشرية السليمة في نفوس المواطنين قد انتكست انتكاسة كبيرة، جعلت من أصحابها أناسا يرضون بـ «اللاشيء» حتى أصبحت حقوقهم «لا شيء» عند مَن مِن المفترض أنهم مسؤولون عن أمور البلاد والعباد.
وهذه الانتكاسة أدّت بدورها إلى ضياع الكرامة الإنسانية في البلاد، بل وإلى غيابها الغياب التام والكامل، مما حوّل أوضاع البلاد إلى ما هو دون قانون الغاب، فلا حسيب ولا رقيب..؟!
فالناس تعيش في انقطاع شبه كامل للماء، واندثار لأثر الكهرباء، وغلاء لمواد الغذاء، وندرة في سوق الدواء، واستقرار لكل أنواع الفساد، ومع ذلك هم في سكوت تام حتى يستعجب الواحد منا كيف أنهم اعتادوا على هذه الانتكاسة حتى أصبحت المطالبة بالكرامة أمراً مستغرباً بينهم.
الكرامة ليست رفاهية
وكرامة الإنسان ليست رفاهية.. وليست من الكماليات.. بل هي من أساسيات الحياة التي في غيابها يتساوى الموت بالحياة، بل يصبح الموت أشرف للإنسان..؟!
فشيوع الظلم، والسكوت عنه وعن مرتكبيه، والرضى به، وعدم نكرانه أو رفضه، هو في النهاية دليل موت المجتمع، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا هابت أمَّتي أنَّ تقولُ للظَّالمِ يا ظالِمُ فقد تُودِّعَ منهم» أي فقدت أهلية العيش بكرامة، كما جاء الحديث برواية أخرى تقول: «فإن باطن الأرض خير لها من ظاهرها».
والعجيب أنه رغم قول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} نرى المجتمع خانعا وقاعدا وراضيا بالذل والهوان، بل.. ويصفق لمن ظلمه وأهانه..؟!
ولا يظن أحد أن الكلام هنا يأتي من منطلق محض اجتماعي أو سياسي، بل هو كلام شرعي مستمد من كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم .
ففي السنّة النبوية حديث يقول: «لا ينبغي للمؤمنِ أن يُذِلَّ نفسَه, قالوا: وكيف يُذِلُّ نفسَه؟! قال: يتعرضُ من البلاءِ لما لا يُطِيقُ»، وبالمفهوم العكسي يكون الحديث بمعنى، كل من يحمل نفسه فوق طاقته فإن الإيمان غير صحيح وغير مكتمل عنده..؟!
وهنا نسأل وبكل وضوح...
أي إيمان هذا الذي يرضى صاحبه أن يعيش مذلولا ومهانا ولا يحرك ساكنا للدفاع عن حقوقه..؟!
وأي إيمان هذا الذي يدعو صاحبه لمحاربة كل ظلم بالحمد والشكر بدلا من المواجهة بالحق..؟!
هل الإسلام يرضى بالفقر والجوع والذل..؟!
هل الإسلام يرضى بسرقة مقدرات المجتمع، وإدخال الناس في نفق مظلم من اللااستقرار وانعدم الأمن وغياب الخطط البنّاءة لمكافحة ما نعانيه..؟
هل يرضي بحال المرضى الذي يعانون أشدّ المعاناة للحصول على الدواء الذي هو أبسط حق من حقوق أي مواطن في أي بلد في العالم..؟!
بل وهل يرضى بحرمان آلاف الأبناء من الدراسة لمجرد أن الدولة والحكومة والمسؤولين لا يريدون أن يقوموا بدورهم الذي - في كل بلاد العالم - إن لم يلتزموا به عوقبوا وسجنوا..؟!
أليس في كل ما سبق الدليل الواضح على ما قلنا في عنوان هذا المقال، من أننا نعاني فعلا من انعدام للكرامة الإنسانية وانتكاس للفطرة البشرية في هذا البلد المسمّى لبنان..؟!
«مذهبة» وتطييف» الغضب
وهنا نعاني من مشكلتين أساسيتين تسببا بوصولنا إلى هذه الانتكاسة..
الأولى.. أننا بدلا من أن نتحد ونعمل بكل قوة وحزم لاسترداد بعض حقوقنا، نرى كثيراً من أبناء الشعب اللبناني عند كل تحرك محق يتفرّقون ويتخاصمون... ثم يتحركون بعقل غاضب... لا بغضب عاقل..؟! وبالتالي بدلا من أن نُخضع مشاعر ونتائج هذا الغضب لميزان العقل والتعاليم الإسلامية التي تزيدنا رفعة وكرامة ومهابة وعزّا، نتحرك بلا أي منطلق سليم فتكون آفات وانفعالات الغضب المتحكمة بعقولنا والمترجمة في سلوكياتنا، فتأتي النتيجة بلا فائدة..؟!
أما المشكلة الثانية فهي «مذهبة» و«تطييف» الغضب المحق في المجتمع، إذا كلما عانينا من ظلم رأينا رداء المذهبية والطائفية يلقى عليها من هنا أو من هناك، فيهبّ اتباع هذا المذهب أو هذه الطائفة للدفاع عن هذا الظلم، تحت ستار الدفاع عن رموز الطائفة أو المذهب، وإن كان في ذلك الظلم والقهر والاضطهاد والذل لهم ولأسرهم ولأبنائهم..؟!
ألم أقل لكم إنها انتكاسة الفطرة البشرية..؟!
ألم يشر الحق سبحانه وتعالى إلى ملامح هذه الانتكاسة فقال في كتابه الكريم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مصلحون أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ}.. ونعم بكل أسف.. هذا هو نحن..؟!
شعب بدلا من أن ينتفض لرفض الفساد والظلم الممارس بحقه من قبل هذه الطبقة الفاسدة والمفسدة، نظر إلى بعضه ثم راح كل مواطن يعكس هذا الفساد ضد المواطن الآخر، فازداد الفساد والظلم وتحوّل الضحية إلى شريك في الجريمة..؟!
ثم مع تطور الفساد بدأ كل فريق «يشرعن» فساده بشعارات دينية ومذهبية، حتى حق عليهم قول الله تعالى {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}.
أيها الشعب اللبناني المظلوم بحكامه والظالم لنفسه..
أيها الشعب اللبناني المشارك في جريمة قتل إنسانية نفسه..
{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، فما دمنا هكذا لن نتغيّر إلا نحو الأسوأ.. والأفسد.. والأظلم...؟!
وحسبنا الله ونِعم الوكيل..؟!

bahaasalam@yahoo.com