د. محمد بسام شوكت كبارة
أولا: هذا يوم النّعم والنور الذي عمّ، والأخضر الذي أشَعّ، والقمر وقد أنشق، والفلك وقد أتسع، والخير وقد أينع، والزهر وقد تربع والثمر وقد تموضع، والشر وقد تصدّع، والكفر وقد ارتدع..
هذا يوم عزّ مثله وثقل وزنه وطاب أُكُلُه، هذا يوم مْولد المصطفى للعالمين ضياء وسراجاً منيراً ورحمة، وللمؤمنين نوراً وهدى وللمخلوقات فرحة وعطاء..
هذا يوم مولد رسول الله ونبيه محمداً عليه كامل الصلوات، وعليل السلامات، اللهم صلي على سيدنا محمد وسلّم عدد حسناته ورضى نفسه، وعلى آله وصحبه المخلصين أجمعين، صلاتاً وسلاماً دائبين، جامعيْن للخير مانعيْن للشر، وائديْن لِلفتَنِ ما ظهر منها وما بطن، وهاديين إلى صراطك المستقيم.
ثانيا: حلاوة الإيمان باكتمال حبنا للّه ولرسوله:
المتمعن بالآيات القرآنية الدالة على مخاطبة الله تعالى لرسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، المرسل للعالمين، يستطرق مذعناً للسنّة النبوية قولاً وفعلاً وامتناعاً ومرجعاً ومصدراً للتشريع ومنهجاً للعبادة منبثقاً عن القرآن الكريم، عُراها تلتحم به، لا تنفصم عنه فأمر الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بكلمة «قُلْ» تماثل أمر الله بكلمة «كن» فما على الرسول إلا الإستجابة وتأويل كلمة «قُلْ» بأحاديث وسنن محمدية جامعة مصانة من الله العليّ القدير لأن كلامه هو وحي يوحى ولا ينطق عن الهوى.
فالقرآن الكريم هبة ومعجزة للمؤمنين وللعالمين أنزله الله على عبده ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين.
إذ خصّه الله العليّ العظيم بنعم منه لا تقدّر ولا تِحصى.
حيث قرن اسم الجلالة «الله».. باسم محمد رسوله الله صلى الله عليه وسلم في كل تكبيرة صلاة. وخاطبه وذكره في قرآنه العظيم مباشرة وتورية عبر معظم سُورِه وكثير من آياته.
فالقرآن الذي لا صْنو لَه، ولا كفْؤ لشموليته، يعلو حين تترفع معه، ويصبو حين تتأمله، يغدو حين تتعمّقه، ويأنس حين تعبق، تتلوه متأنساً، وتحفظه متألقاً، وتعتصم به مسالماً، لا يرُدّ راجياً، ولا يَصُدّ متعبداً، يهدي من يسعى إليه، ويشقي من إنشق عنه، يطهّر القلوب ويشفي الغليل والعليل، أزلي البداية صمدي النهاية وموئل كل غاية ومَرتعِ كل آية، أسراره في تأويله وشرحه في تأصيله، حروفه وكلماته مرقومة، مقسومة بالقسط وموضوعة بالبْسط، جامعة مانعة من لَدُنْ عزيز حكيم -(مقتطفات من كتابي «الرسول النبي محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم»)- الذي حثّ على إتباع وإطاعة والاذعان لسنّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لأنها منجاة المؤمن بشعوره بحلاوة الإيمان.
ثالثاً: محبة الله ورسوله في القرآن والسنّة المحمدية:
إذا أردت أيها المسلم أن يحبك الله فاسلك سبيل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ قال رسول الله:
أولاً: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما أن يحب المرء لا يحبه إلا للّه. أن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يُقذف في النار»، متفق عليه.
ثانياً: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».
ثالثاً: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحَبّ إليه من نفسه»، البخاري وأحمد.
فقال الفاروق عمر: (يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي). فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال عمر: (والله لأنت أحب إليّ من نفسي). فقال الرسول صلى الله عليه وسلم «الآن يا عمر» (البخاري، أحمد).
والحب المقصود هو أن يحب المؤمن رسالة الإسلام وسنّة محمد صلى الله عليه وسلم ويطبّق ويتبع هذا الحب في مشوار حياته. وهذا تأويل لأمر الله للرسول الكريم في الآية ٣١ من سورة آل عمران وفي الآية التالية: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فاستجاب الرسول صلى الله عليه وسلم بكلمة: «قُلْ».. إذ قال أيضاً «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة... اقرؤا إن شئتم قول الله: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} (الأحزاب: 6). وأضاف الرسول صلى الله عليه وسلم: « وأي مؤمن ترك مالاً فلورثته وعصبته مَنْ كانوا. وإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتين وأنا مولاه».
ولا يأمرهم إلا بما فيه خيرهم، لذلك كانت طلاوة وحلاوة ومحبتهم له، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم «... أنا أولى بكل مؤمن من نفسه» أي أحق بالمؤمنين بالرسول من أنفسهم أن يحكم فيهم بما يشاء من حكم فيجوز ذلك عليهم، أي يحميهم ويسدّد عنهم دينهم، عن أبي هريرة.
فمن ذاق حلاوة الإيمان في الأسوة الحسنة، ذاق رجاء الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً، كما جاء في الآية الكريمة التالية: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (سورة الأحزاب: 21).
وبالمقابل من شاققَ أو أذى أو قصّر في حلاوة الإيمان ووصل إلى حد إيذاء الرسول، يكون كمن كفَرَ وفَسَقَ وآذى الرب سبحانه قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً} (سورة الأحزاب: 57) بل ووصل الأمر بمدى حب أصحاب محمداً صلى الله عليه وسلم إلى خفض أصواتهم عند رسول الله مادياً ومعنوياً باتباع سنّته.
قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (الحجرات).
يستتبع ذلك أن الله سبحانه وتعالى يَرُدُّ سلامنا وصلاتنا على الرسول بصلاة وسلام علينا على لسان نبينا الكريم. فسُمُوُّ الحق بالرد عن الرسول تعظيم أبدي مطلق للرسول محمد صلى الله عليه وسلم (بتصرّف عن الشيخ محمد عادل الحقاني)، فالتلذذ بالطاعة، وتحمّل مشقة رضى الله ورسوله وإيثار ذلك على عرض الدنيا والشعور بلذة الإيمان والطاعة المطْلقين، اللّذين يفوق وصفهما حلو المذاق الدنيوي. ذلك أن الإيمان والطاعة والتقيّد بالأسْوة الحسنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هي من أسباب تلك المحبة السامية المطلقة، لأنها تنقذنا من ولوج النار ومن الخروج عن الصراط المستقيم، إلى ثبات إيماننا وتقوانا إلى جنّات النعيم.
جعل الإمام البيضاوي، هذه الأمور الثلاثة (سابق ذكرها) التي طبقها المسلم: عنوان لكمال الإيمان، المحصل لتلك اللّذة، لأنه لا يتم إيمان عبد حتى يتمكن في نفسه أن المنعم، والقادر على الإطلاق هو الله، ولا مانح ولا مانع سواه وما عداه وسائط.
وأن الرسول الكريم صلوات الله عليه وعلى آله هو الساعي الحقيقي في إصلاح شأن وإعلاء مكانه، وذلك يقضي: أن يتوجه بشراشيره نحوه، ولا يحب ما يحبه إلا لكوَنه وسطا بيْنه وبينَهُ، وأن يتيقن أن كل ما وعد به هو وعد حق فيتيقن أن الوعد كالواقع، أضاف البيضاوي، المراد بالحب، العقلي ترجّح جانبه وكماله، أن يمرّن نفسه بحيث يصير هواه تبعاً لعقله، ويلتذُّ به التذاذا عقلياً، إذ الالتذاذ: إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك.
وليس بين هذه واللذة الحسية نسبة يعتل بها، والشارع الحكيم عبّر عن هذه الحالة بالحلاوة لأنها، أَظْهر من اللذّات المحسوسة، فيحْسَبُ مجالس الذّكْر رياض الجنة، وأكل مال اليتيم (مثلاً)، أكلاً للنار، والعود إلى الكفر إلقاء في النار» إنتهى الإقتباس بتصرف.
رابعاً: الخلاصة:
في هذا اليوم الأغَرّ، يجب على كل مسلم وفي كل يوم مراجعة نفسه ومحاسبتها.
قال تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} (الاسراء: ١٤).
فلا تنتظر كتابك الذي تتلقفه لكي تصدر الحكم على نفسك في الآخرة، لأنك لن تستطيع إصلاح حسابك لتكون من أصحاب الجنة. واستغلّ الفرْصة كل يوم بمراجعة نفسك وحبّك للّه وللرسول على النهج المختصر الذي بيّناه آنفاً.
لأن نعمة الهداية للمسلم تعطي الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين الأولوية بأن لا يقدمون على أنفسهم حب أحد من الخلق ولا يقدمون على طاعته طاعة أحد من الخلق تنفيذاً للآية ٦ من سورة الأحزاب والآية ٣١ من سورة آل عمران:
{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} (الأحزاب: 6).
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران٣١).
وإذا نهى العلماء عن الغلو في الإطراء لرسولهم يجب الإشارة الى حديثين لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيهما:
الحديث الأول: «والذي نفس محمد بيده ليأتيّنَّ على أحدكم يوم لأن يراني ثم لأن يراني أحبُّ إليه من أهله وماله معهم».
الحديث الثاني: «هناك ناس هذه صفتهم، يود أحدهم لو فقد أهله وماله وأنه رآني».
نسأل الله تعالى أن يسبغ علينا شفاعته وأن يرزقنا الالتقاء به في جنة الفردوس وأن يرزقنا الأخذ بسنّته صغيرها وكبيرها، ظاهراً وباطناً (بتصرف عن أحمد عبدالرحمن الصويان). ونختم بالقول أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم عقيدة راسخة في قلوب المؤمنين، ثمرتها الاقتداء والبذل والعطاء والتضحية والجهاد في سبيل نصرة دينه وإعلاء لوائه وحماية سنّته.
bassamkabbara@gmail.com