بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 آذار 2026 12:00ص بيوت الله في بيروت: رحلة عبر قرون من الإيمان والعمارة (17)

مسجد الأمير منذر: قباب تعلو الأروقة وداخله نقوش جميلة وحجارة مختلفة الألوان

حجم الخط
مسجد الأمير منذر بديع الوضع، له قباب تعلو الأروقة، وفي داخله نقوش جميلة وحجارة مختلفة الألوان وناعمة النقش. ينتمي المبنى إلى ما يُعرف بالمباني المركزية، حيث يتضح تأثر مسقطه بالمساقط العثمانية، كما يظهر التأثير العثماني في تشكيل الواجهات بتجميع الفتحات ذات الأعتاب في قوصرة معقودة، بالإضافة إلى استعمال عناصر وُجدت في العمارة الدفاعية.

• التقسيم المعماري: حرم وصحن

ينقسم مسقط المسجد إلى جزأين رئيسيين: صالة الصلاة (الحرم)، والصحن الخارجي المحاط برواق من كل الاتجاهات.
الحرم عبارة عن صالة مستطيلة، ترتفع عن منسوب أرضية الرواق بأربع درجات. يقع مدخل بيت الصلاة في منتصف الحائط الشمالي للمسجد، وعلى بابه توجد السدة الخشبية التي تمتد داخل الحرم وصولاً للرواق الخارجي. هذه السدة محمولة على كوابيل حجرية صغيرة، ويمكن الوصول إليها عن طريق سلم المئذنة الذي يؤدي أولاً إلى السدة من الجهة الغربية.

• المحراب: تحفة من الرخام والمقرنصات

المحراب منتظم في وسط الحائط الجنوبي، ويتميز بتعدد أضلاع مسقطه وبالألواح الرخامية الصفراء والرمادية التي تغطيه. وُضع المحراب في قوصرة معقودة بعقد كُسيت صنجه بالرخام الأبيض والأصفر، ويكتنفها عمودان من الرخام، لكل واحد تاج مقرنص من ثلاثة صفوف.
للمحراب طاقية شُكلت بثمانية صفوف من المقرنصات ذات قطاع مثلث. هذه المقرنصات ليست مجرد زخرفة، بل هي تقنية معمارية إسلامية فريدة تمثل هندسة السماء، خلايا هندسية متدلية تشبه قرص العسل، تعكس عظمة الخالق.

• المنبر: رخام أبيض بقبة على أعمدة

المنبر من الرخام الأبيض، مدخله معقود بشكل نصف دائري، يعلوه صفان من المقرنصات. يصعد إلى مكان جلوس الخطيب بثماني درجات، ويعلو مكان جلوس الخطيب قبة محمولة على أربعة أعمدة من الرخام لها تيجان مقرنصة. يوجد على أعلى باب مدخل المنبر كتابات قرآنية ودينية.
هذا التصميم الفخم للمنبر يعكس أهمية المسجد ومكانته في بيروت العثمانية. المنبر لم يكن مجرد منصة للخطيب، بل كان قطعة فنية تجمع بين الوظيفة والجمال.

• الصحن والرواق: قناطر على أعمدة غرانيت

الصحن الخارجي للمسجد مستطيل، وأرضيته مغطاة بالبلاط الحجري. يحيط به من جميع الاتجاهات رواق ينفتح على الصحن بواسطة ثلاثة قناطر (أقواس) محمولة على أعمدة من الغرانيت، لها تيجان مقرنصة من الحجر.
الغرانيت حجر صلب نادر في بيروت، استعماله يدل على الثراء والمكانة. قُسم الرواق إلى وحدات فراغية عن طريق عقود تعلوها قباب كروية منخفضة محمولة على أركان مثمنة.
هذا الرواق لم يكن مجرد ممر، بل كان فضاءً متعدد الوظائف: مكان للاستراحة في الظل، مكان للقاء والحديث، مكان لانتظار الصلاة. في الصيف الحار، كان الرواق ملجأً من الشمس.

• النافورة: حين يصبح الماء هوية

النافورة كانت قطعة فنية. مصنوعة من حجر المرمر (الرخام الأبيض)، منحوتة بدقة، يتدفق منها الماء إلى بركة مثمنة الشكل تحيط بها. الماء كان نقياً، يأتي من ينابيع بيروت عبر قنوات قديمة.
الوظيفة الأساسية للبركة كانت الوضوء: المصلون يأتون، يتوضؤون من ماء البركة، ثم يدخلون إلى الحرم للصلاة. لكن البركة والنافورة كانتا أيضاً عنصراً جمالياً: صوت الماء المتدفق، بريق الرخام الأبيض، الانعكاسات على سطح الماء، كل هذا كان يخلق جواً من السكينة.
وجود برك ونوافير في صحون المساجد ليس فريداً في بيروت، بل هو تقليد مملوكي شائع. لكن في بيروت، كان مسجد الأمير منذر الأبرز في هذا المجال، لدرجة أن الناس بدأوا يسمونه «جامع النوفرة».

• المئذنة: واحد وثلاثون متراً من الشموخ

للمسجد مئذنة على الركن الجنوبي الغربي منه، تتكون من ثلاثة أجزاء يصل ارتفاعها الكلي إلى واحد وثلاثين متراً. بعض مداميك المئذنة، وخاصة الجزء السفلي، مختلفة الارتفاع عن مداميك حائطي المسجد، إلّا أن الصفوف العلوية مرتبطة مع حائط المسجد.

الجزء السفلي: قاعدة متينة:

الجزء السفلي مبني من مداميك حجرية ضخمة، يشكّل قاعدة صلبة للمئذنة.

الجزء الأوسط: المثمن والشرفة:

يتم الانتقال من الجزء السفلي إلى الجزء الأوسط المثمن عن طريق مثلثات في الأركان. ينتهي الجزء الأوسط بشرفة محمولة بواسطة ستة صفوف من المقرنصات. الخروج إلى الشرفة عن طريق باب معقود بعقد شبه دائري.
من هذه الشرفة، كان المؤذن يرفع الأذان خمس مرات في اليوم، وصوته يصل إلى الأسواق المحيطة.

الجزء العلوي: المخروط والهلال

يلي الجزء الأوسط الجزء العلوي، وهو ذو مسقط مثمن قليل الارتفاع ينتهي بمخروط. يعلو المخروط الهلال، رمز الإسلام الذي يُوضع على قمة كل مئذنة.
عام ألف وسبعمائة، زار الرحالة عبد الغني النابلسي بيروت، وزار مسجد الأمير منذر. يصف النابلسي البركة بأنها «مثمنة الشكل»، وكانت في وسط الصحن، وفي وسطها «نوفرة» (نافورة).

• مدخلان وسبيل: غرب وشرق

للمسجد مدخلان: المدخل الغربي مطل على «سوق المنجدين» (شارع المصارف لاحقاً)، والمدخل الشرقي مطل على «سوق البازركان». على أعلى المدخل الشرقي، ثُبّتت لوحة رخامية عليها أبيات شعرية تمدح الأمير منذر وتؤرخ للمسجد.
على المدخل الشرقي أيضاً، كان يوجد سبيل ماء. يُرجّح أن السبيل من إنشاء محمد باشا، أحد ولاة بيروت العثمانيين. خلال حفريات أجريت أمام المدخل الشرقي، اكتُشفت «خرزة بئر»، ربما كانت من آثار السبيل.

• القبور

دُفن في الجهة الشمالية الشرقية من المسجد بانيه الأمير منذر التنوخي نفسه، إثر مقتله خلال مذبحة عام ألف وستمائة وثلاثة وثلاثين. دُفن أيضاً الأمير ملحم حيدر الشهابي (عام ألف وسبعمائة وواحد وستين) وأخوه الأمير منصور (عام ألف وسبعمائة وأربعة وسبعين).
لكن هذه الأضرحة دُثرت (أُزيلت) عام ألف وثمانمائة وستين، ضمن حركة إصلاحية ترى أن الدفن داخل المساجد مخالف للسنة.

• اختفاء النافورة حين بُنيت المدرسة

في منتصف القرن التاسع عشر، اختفت بركة الماء والنافورة. بُنيت فوق الصحن غرف استُخدمت كمدرسة لتعليم أبناء المسلمين.
عام ألف وثمانمائة وأربعة وستين، استحصل الشيخان عبد الله خالد ومحمد الحوت على ترخيص بإنشاء مدرسة نظامية على الأساليب الحديثة، أول مدرسة من نوعها في بيروت. اختارا مسجد الأمير منذر مركزاً للمدرسة.
أدخلا مناهج تعليم عصرية: العلوم الدينية، اللغة العربية، الحساب، التاريخ، الجغرافيا، العلوم الطبيعية. خرّجت المدرسة الرعيل الأول من رواد النهضة الفكرية في بيروت.

• الترميم عبر القرون

أُخضع مسجد الأمير منذر للترميم والإضافات في أعوام ألف وسبعمائة وتسعة وأربعين، ألف وسبعمائة واثنين وثمانين، ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين، وألف وتسعمائة وواحد وخمسين.
في ترميم عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين، نُقل باب من مسجد الأمير منصور عساف ووُضع على المدخل الشرقي. هذا الباب واحد من بابين كانا في سور مسجد الأمير عساف، أحدها نُقل إلى مسجد عين المريسة والآخر وُضع هنا.

• بعد الحرب الأهلية: ترميم شامل:

نال المسجد نصيبه من القصف خلال الحرب الأهلية، وألحقت به أضرار شوهت بعض ملامحه. لكن مع انطلاق ورشة الإعمار في وسط بيروت، أُعيد ترميمه:
- عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين: بادرت لجنة الجامع بإعادة كشف الحجر الرملي القديم لإبراز قيمته الأثرية، وترميم أسطح المسجد وقبابه.
- عام ألفين وثلاثة: المرحلة الأخيرة، حيث استُبدل مكان الوضوء وأُجريت تحسينات عديدة
عاد المسجد يستقطب المؤمنين، وتُقام فيه الصلوات، ويرتفع من مئذنته صوت الأذان في مدينة متمسكة بأصالتها.

• من النافورة إلى العلم:

مسجد الأمير منذر عاش تحوّلات عميقة عبر أربعة قرون: بُني كمسجد بنافورة، أصبح مقبرة لأمراء، تحوّل إلى مدرسة، عاد مسجداً. اليوم، النافورة اختفت، والقبور دُثرت، والمدرسة أُغلقت. لكن المسجد بقي.
حين تمرّ بجانبه اليوم في وسط بيروت، تذكر أن هنا كانت نافورة من رخام أبيض، وهنا كان أمير يُدفن، وهنا كان علماء يُدرّسون. هذا المسجد يعلمنا أن المباني الدينية تتطور مع حاجات الناس. من الماء إلى العلم، من النافورة إلى المدرسة، رحلة واحدة في خدمة الإيمان والمعرفة.