20 شباط 2026 12:00ص بيوت الله في بيروت: رحلة عبر قرون من الإيمان والعمارة (2)

حجم الخط
يتناول الجزء الثاني من سلسلتنا، البحث التطور المعماري والديني لمساجد وزوايا بيروت خلال العصر العثماني (922هـ/1516م - 1337هـ/1918م)، وهي فترة امتدت لأربعة قرون شهدت فيها المدينة تحوّلاً نوعياً في نمط البناء الديني. على عكس المدن العثمانية الكبرى، لم تشهد بيروت مشاريع سلطانية ضخمة، بل كان البناء والوقف من عمل الأهالي والأعيان المحليين، مما أنتج نسيجاً معمارياً فريداً يجمع بين التأثيرات المملوكية والمحلية. يعتمد البحث على الوثائق العثمانية الأصلية من السجلات الشرعية والسالنامات والنقوش الحجرية، لتقديم صورة توثيقية شاملة توثيقية شاملة لهذه الحقبة المهمة.

****

في سنة 922هـ (1516م)، دخل العثمانيون بيروت بعد انتصارهم الساحق على المماليك في معركة مرج دابق. وعلى عكس ما جرت عليه العادة السلطانية في المدن الكبرى كإسطنبول ودمشق والقاهرة، حيث كان السلاطين يؤسسون المساجد الجامعة والمجمعات المعمارية الضخمة، لم يبنِ سلاطين آل عثمان في بيروت أي مسجد أو زاوية بشكل مباشر.
فكل المساجد التي بُنيت في العهد العثماني كانت من عمل أهل بيروت أنفسهم: التجار والأعيان والأمراء المحليين، الذين حملوا على عاتقهم مهمة عمارة بيوت الله بأموالهم الخاصة وأوقافهم الدائمة. هذا النمط من البناء الأهلي سيطبع الحياة الدينية في بيروت طوال أربعة قرون، ويجعل من مساجدها شاهداً على تدين الناس لا على هيبة السلطة.

• أقدم سجل عثماني: دفتر مفصل طرابلس الشام

أقدم وثيقة عثمانية رسمية عن بيروت هي «دفتر مفصل طرابلس الشام» رقم 427، المؤرخ سنة 926هـ (1519م)، المحفوظ في الأرشيف العثماني بإسطنبول (Başbakanlık Osmanlı Arşivi). هذا الدفتر يحتوي على أول إحصاء عثماني للمدينة بعد الفتح مباشرة، ويذكر وجود مسجد جامع كبير (الجامع العمري الذي ورثه العثمانيون من العصر المملوكي) وعدة مساجد صغيرة وأوقاف عليها.
وتكشف هذه الوثيقة أن المدينة لم تكن خالية من بيوت العبادة، بل كانت تملك بنية دينية راسخة استمرت في التطور عبر القرون التالية. كما تشير السجلات إلى استمرار نظام الأوقاف المملوكية، مع إضافة أوقاف جديدة من قبل الأعيان المحليين الذين استفادوا من الاستقرار العثماني النسبي في المرحلة الأولى.

• زاوية ابن عراق: أول البناء العثماني

ولعل أول زاوية بُنيت في بيروت بعد الفتح العثماني هي «زاوية ابن عراق»، المعروفة باسم «زاوية الشيخ محمد خضر العراقي»، التي كانت على مدخل سوق الطويلة. ذكرها العالم الرحالة عبد الغني النابلسي في رحلته «الحقيقة والمجاز» سنة 1700م، واصفاً إياها بأنها زاوية مباركة يقصدها الناس للتبرك والذكر.
وتشير هذه الزاوية إلى استمرار التقليد الصوفي الذي ساد في بيروت منذ العصور الوسطى، حيث كانت الزوايا تمثل ملاذاً روحياً ومركزاً اجتماعياً للفقراء والمسافرين. وقد كانت الزوايا في العصر العثماني تؤدي وظائف متعددة تتجاوز الجانب الروحي، إذ كانت تستضيف المسافرين وتقدم الطعام للفقراء وتعلم القرآن للأطفال، مما جعلها مؤسسات اجتماعية حيوية في نسيج المدينة.

• مساجد العصر العثماني الرئيسية

شهد العصر العثماني بناء مساجد عديدة في بيروت، تنوعت في حجمها ووظيفتها ومعمارها. ومن أقدم المساجد التي شُيدت في الحقبة العثمانية:
١. جامع الخضر (القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي):
بُني في منطقة الكرنتينا بالقرب من مصب نهر بيروت، في موقع استراتيجي كان يمثل مدخل المدينة الشمالي. وتشير سجلات المحاكم الشرعية في بيروت إلى وقفيات على هذا الجامع تعود للقرن العاشر الهجري، مما يؤكد قِدمه وأهميته في الحياة الدينية للمدينة. وقد ارتبط اسم المسجد بالخضر عليه السلام، الذي يحظى بمكانة روحية خاصة في التقاليد الإسلامية الشعبية، لاسيما بين البحارة والمسافرين.
٢. جامع الأمير منصور عساف (1034هـ/1624-1625م):
المعروف بـ«جامع دار الولاية» لقربه من مقر الحاكم. ولا تزال لوحة رخامية فوق مدخله تحمل النص التالي (وثقها العالم السويسري ماكس فان برشم وباحثون آخرون):
«أمر ببناء هذا الجامع المبارك
الأمير منصور بن الأمير عساف التركماني
غفر الله له ولوالديه
في سنة 1034 اللهجرة»
وقد وصف هذا الجامع الأب هنري لامنس (Henri Lammens)، المستشرق الفرنسي، في كتابه «نزهة في بيروت» (Une Excursion à Beyrouth, 1898) بأنه من أجمل مساجد بيروت، وله منارة مثمنة الشكل على الطراز المملوكي المتأخر، مما يشير إلى استمرار التأثيرات المعمارية المملوكية في العصر العثماني المبكر.
٣. جامع الأمير منذر (جامع النوفرة):
نُسب إلى الأمير منذر التنوخي، وهو من الأعيان المحليين الذين ساهموا في عمارة المدينة. وقد خضع هذا الجامع لتجديدات متعددة عبر القرون، وأُضيفت له مئذنة جديدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كما تشير إلى ذلك السجلات العثمانية الرسمية. ويعكس هذا المسجد دور العائلات التنوخية الدرزية في الحياة الاجتماعية والعمرانية لبيروت، رغم اختلاف انتمائهم المذهبي، مما يشير إلى تعددية دينية وتعايش نسبي في المدينة.
٤. جامع المجيدية (منتصف القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي):
سُمي نسبة إلى السلطان عبد المجيد الأول العثماني (حكم 1839-1861م)، وبُني في منتصف القرن التاسع عشر في إطار حركة التحديث العثمانية المعروفة بـ«التنظيمات». وجاء في «سالنامة ولاية بيروت» لسنة 1294هـ/1877م (محفوظة في الأرشيف العثماني والمكتبة الوطنية الفرنسية):
«جامع المجيدية: بُني في عهد السلطان عبد المجيد خان الأول طاب ثراه، في محلة رأس بيروت، وله منارة عالية ومحراب فسيح».
يمثل هذا المسجد مرحلة جديدة في العمارة الدينية البيروتية، حيث بدأت تظهر تأثيرات معمارية أوروبية في التفاصيل الزخرفية، نتيجة للانفتاح على الغرب في عصر التنظيمات.
٥. جامع الباشورة (جامع عمر الداعوق):
بناه الحاج عمر الداعوق في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي). وتشير سجلات المحكمة الشرعية في بيروت إلى وقفيات على هذا الجامع، منها وقفية مؤرخة سنة 1108هـ (1696م) تذكر أن الداعوق أوقف داره في محلة الباشورة على الجامع، لتكون ريعها مخصصاً لصيانته ورواتب إمامه ومؤذنه. وتكشف هذه الوثيقة عن التفاصيل الدقيقة لنظام الوقف، بما في ذلك شروط الواقف وكيفية إدارة الريع وتوزيعه.

• معمار بيروت العثمانية: بين المملوكي والإستانبولي

على الرغم من أن بيروت كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، إلا أن معمارها الديني لم يتبع النمط العثماني الكلاسيكي السائد في إسطنبول (القباب المركزية الضخمة والمآذن الرشيقة المتعددة). بل احتفظت المساجد البيروتية بطابعها المحلي المتأثر بالإرث المملوكي: المآذن المثمنة، الصحن المفتوح، المحاريب البسيطة.
وهذا يعكس استقلالية معمارية نسبية للمدينة، حيث كان البناؤون المحليون يستلهمون من التقاليد الشامية أكثر من استيراد الطراز الإستانبولي. ويمكن تفسير هذه الظاهرة بعدة عوامل، منها: بعد بيروت عن العاصمة العثمانية، وغياب المعماريين العثمانيين الرسميين في المدينة، واستمرار التقاليد المعمارية المحلية التي كانت قد ترسخت عبر القرون السابقة.

• ثقافة الوقف: تمويل بيوت الله وديمومتها

كانت المساجد والزوايا تُموّل وتُدار عبر نظام الوقف الإسلامي، الذي يمثل أحد أعمدة الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المدينة العثمانية. وقد حفظت لنا سجلات المحاكم الشرعية في بيروت عشرات الوثائق الوقفية التي تكشف عن تفاصيل دقيقة لهذا النظام.

• نماذج من الوثائق الوقفية

السجلات الموجودة تبدأ من القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، وتحتوي على:
- وقفيات دكاكين وحوانيت على المساجد.
- وقفيات بساتين وأراضي زراعية.
- تعيين أئمة ومؤذنين ومدرّسين.
- مصاريف الترميم والإنارة (بالزيت ثم بالشمع).
- نزاعات حول الأوقاف وحلولها القضائية.
كما يوجد دفتر أوقاف بيروت المؤرخ سنة 1289هـ (1872م)، المحفوظ في دار الفتوى، يحتوي على إحصاء شامل لأوقاف المساجد والزوايا وريعها السنوي، مما يعطينا صورة واضحة عن الاقتصاد الديني للمدينة في أواخر العصر العثماني.

• كتابة وقف على الجامع العمري (1067هـ/1656م)

ولا تزال لوحة حجرية على المدخل الرئيسي للمسجد العمري تحمل كتابة من القرن السابع عشر تشهد على استمرار ثقافة الوقف:
«أنشأ هذه الغرف المباركة
الفقير إلى الله تعالى
عبد الله بن الشيخ إبراهيم الخطيب، وأوقفها على هذا الجامع الشريف سنة 1067»
تكشف هذه النقوش عن البعد الروحي للوقف، حيث كان الواقفون يعبرون عن تواضعهم أمام الله رغم ثرائهم.

• الزوايا الصوفية: بيوت الذكر والتبرك

إلى جانب المساجد الكبرى، انتشرت في بيروت العثمانية عشرات الزوايا الصوفية، التي شكلت شبكة روحية واجتماعية موازية. كانت هذه الزوايا مراكز للذكر والتعليم الديني وإيواء الفقراء والغرباء، وكثيراً ما ارتبطت بأسماء مشايخ صوفيين مشهورين بالزهد والكرامات.
- إحصاء أوليا چلبي (1648م):
ذكر الرحالة العثماني الشهير أوليا چلبي في كتابه «سياحتنامه» أن في بيروت 15 زاوية للدراويش سنة 1648م، مما يدل على حيوية الحركة الصوفية في المدينة خلال القرن السابع عشر(13). وقد وصف أوليا چلبي بعض هذه الزوايا بالتفصيل، مشيراً إلى طقوس الذكر الجماعي والضيافة السخية التي كانت تُقدم للزوار.
-إحصاء النابلسي (1700م):
وصف العالم الدمشقي عبد الغني النابلسي في رحلته عدة زوايا في بيروت، منها:
١. زاوية الشيخ إبراهيم المجذوب: من أشهر الزوايا وأكثرها تبرّكاً، حيث كان الناس يزورون ضريح الشيخ طلباً للبركة والشفاعة.
٢. زاوية الشيخ عبد القادر المغربي: نسبة إلى شيخ مغربي استوطن بيروت، وكانت مخصصة لاستقبال المسافرين المغاربة القادمين للتجارة أو الزيارة.
٣. زاوية ابن الأحمر: كانت مقابل الجامع الكبير (العمري)، وتميّزت بنشاطها العلمي حيث كانت تُدرس فيها العلوم الشرعية.

• قائمة الزوايا من السجلات الرسمية

وقد أحصى دفتر أوقاف بيروت لسنة 1289هـ (1872م) الزوايا التالية، مع ذكر أوقافها ومصاريفها:
- زاوية المجذوب: نسبة إلى الشيخ إبراهيم المجذوب.
- زاوية الراعي.
- الجامع المعلق (أو زاوية المعلق): سُمي لارتفاعه عن مستوى الشارع.
- زاوية القصار: نسبة إلى حرفة القصارة (تبييض الثياب وتنظيفها).
- زاوية سوق البياطرة: في سوق الأطباء البيطريين.
- زاوية سوق القطن.
- زاوية باب الدركة.
- زاوية المغاربة: خُصصت للقادمين من المغرب العربي وطلاب العلم المغاربة.
- زاوية باب المصلى.
تكشف أسماء هذه الزوايا عن ارتباطها الوثيق بجغرافيا المدينة واقتصادها، حيث كانت تحمل أسماء الأسواق والحرف والأبواب، مما يعكس تكاملها مع النسيج الحضري والاجتماعي.

• إحصاءات عثمانية رسمية: خريطة بيوت الله في بيروت

تقدم لنا السالنامات العثمانية (الكتب السنوية الرسمية التي كانت تصدرها الولايات) صورة إحصائية دقيقة عن عدد المساجد والزوايا في بيروت في أواخر العصر العثماني.
- سالنامة ولاية بيروت (1287هـ/1870م):
ذكرت أن في مدينة بيروت:
8 جوامع تُقام فيها صلاة الجمعة.
34 مسجداً صغيراً (مساجد أحياء بدون منبر).
15 زاوية للصوفية والدراويش.
- سالنامة ولاية بيروت (1294هـ/1877م).