بعد أن استعرضنا في الحلقة السابقة الجانب التاريخي والاجتماعي لـ «مسجد عين المريسة»، نفتح اليوم باب المسجد لنتأمّل في «جسده المعماري» الفريد. إن جامع عين المريسة ليس مجرد بناءٍ للصلاة، بل هو «قصيدة هندسية» كُتبت بالحجر الرملي لتقاوم رطوبة البحر وتحاكي رقة النسيم. في هذا الجزء، سنقوم بتشريح معماري دقيق للمسجد، بدءاً من مئذنته التي تشبه «الفنار»، وصولاً إلى محرابه الذي يعانق الضوء، لنكتشف سر هذا السحر المعماري الذي يجعل من المسجد أيقونةً بصرية لا تغيب عن ذاكرة بيروت وعشاقها.
• المئذنة الأسطوانية: تاج الشاطئ وبوصلة الغريب
تعتبر مئذنة جامع عين المريسة واحدة من أجمل وأرق المآذن في بلاد الشام قاطبة، وهي العلامة الفارقة التي تمنح المسجد هويته البصرية «البحرية». معمارياً، هي تنتمي إلى الطراز «العثماني الرشيق»، ولكن بنكهة بيروتية واضحة في اختيار الخامة والنسب.
- القاعدة المتينة:
تبدأ المئذنة بقاعدة مربعة صلبة مدمجة في كتلة البناء الرئيسية، صُممت لتكون حاملاً ثقيلاً يضمن الثبات والاتزان في التربة الساحلية الرملية.
- البدن الرشيق: يتحوّل الشكل المربع فجأة إلى بدن أسطواني ناعم، يرتفع بشموخ لينافس مآذن إسطنبول في رشاقتها. هذا الشكل الأسطواني ليس ترفاً جمالياً فحسب، بل هو ذكاء معماري يهدف إلى تقليل مقاومة الرياح البحرية القوية التي تضرب الشاطئ، مما يحمي المئذنة من التصدع عبر العقود.
- الشرفة والمقرنصات: تنتهي المئذنة بشرفة دائرية للمؤذن، محاطة بدرابزين حجري منقوش بزخارف هندسية ناعمة. وتحت الشرفة، نجد صفوفاً من «المقرنصات» الحجرية التي تعمل ككوابيل حاملة للوزن، نُحتت بدقة متناهية لتكون انسيابية لا تكسر خطوط المئذنة الصاعدة نحو السماء.
- الذروة: تُتوّج المئذنة بقمة مخروطية مدببة (على شكل قلم الرصاص) مغطاة بطبقة من الرصاص، يعلوها هلال نحاسي يلمع مع خيوط الفجر الأولى، ليكون بمثابة «فنار روحي» يهتدي به الصيادون العائدون من ليل البحر الطويل.
• القبة وهندسة الفراغ: سقفٌ يُحاكي اتّساع الأفق
يغطي الحرم الرئيسي للجامع قبة مركزية ضخمة، وهي «القلب الهندسي» للمبنى الذي يجمع بين هيبة الضخامة وسكينة الفراغ.
- توزيع الأحمال: ترتكز القبة على أربعة عقود (قناطر) شاهقة، تنتقل الأحمال من خلالها إلى جدران جانبية سميكة جداً. هذه القناطر تمنح الحرم اتساعاً بصرياً يوحي بأن المسجد أكبر من مساحته الفعلية.
- لعبة النور والسكينة: في رقبة القبة (الطنبور)، وُزعت نوافذ دائرية صغيرة تسمح بمرور الضوء بشكل رأسي. في ساعات الضحى، تسقط خيوط الشمس على السجاد والرخام وكأنها هالات من النور، مما يحول الصلاة إلى تجربة «نورانية» بصرية.
- التدرّج الهرمي: تحيط بالقبة الكبيرة قباب أصغر فحجمًا، تهدف إلى تحقيق التوازن البصري والإنشائي، وتمنح المسجد من الخارج مظهراً «هرمياً» متدرجاً ينسجم مع انحدار تلة عين المريسة نحو الشاطئ.
• بيت الصلاة: حيث يلتقي الرخام بالخشب
عندما تخطو قدماك داخل الحرم، يستقبلك بياض الجدران وبرودة الرخام، في تباينٍ جميل مع زرقة البحر القريبة.
1. المحراب: هو تجويف رصين في جدار القبلة، مكسو بقطع من الرخام الأبيض والرمادي (طراز الأبلق)، ويتوسطه نقشٌ بسيط لآية الكرسي. بساطة المحراب هنا تهدف إلى عدم تشتيت المصلي، وتركيز انتباهه على روحانية القبلة.
2. المنبر: يمثل المنبر في جامع عين المريسة قمة الحرفية البيروتية في النجارة العربية. هو مصنوع من خشب الجوز المكسو بنقوش هندسية دقيقة، ويتميز بسلمه الطويل وذروته الخشبية الرشيقة. هذا المنبر يروي قصة الإبداع اليدوي الذي كانت تشتهر به عائلات بيروت الحرفية.
3. النوافذ المقنطرة: النوافذ في هذا الجامع هي «رئات» تتنفس البحر؛ فهي مقوسة للأعلى وتطل مباشرة على الميناء، مما يسمح للمصلي بسماع هدير الموج الخفيف، في مزيج فريد بين تسبيح اللسان وتسبيح الكون.
• الحجر الرملي: سر الصمود والجمال الساحلي
بُني الجامع من الحجر الرملي المحلي (الراملي)، وهو الحجر الذي يمتلك «رئة» تتنفس الرطوبة. في بيئة بحرية قاسية مثل عين المريسة، أثبت هذا الحجر تفوقه على الرخام والإسمنت؛ فهو يمتص الرذاذ المالح نهاراً ويطلقه ليلاً دون أن يتآكل بسرعة. كما أن لونه الذهبي يمنح المسجد توهجاً خاصاً عند الغروب، حين تعكس الجدران أشعة الشمس الغاربة، ليبدو المسجد وكأنه جوهرة خرجت من اليم.
• الصحن والأروقة: فضاء التكافل والراحة
يتميز الجامع بوجود «صحن» (ساحة خارجية) مرصوف بالحجر الصخري، تحيط به أروقة ذات عقود متتالية. هذه الأروقة لم تكن للعبور فقط، بل كانت مكاناً يجلس فيه الصيادون بعد صلاة الفجر لتبادل الحديث قبل الانطلاق، أو مكاناً للتدريس وتحفيظ القرآن لأبناء المحلة. وفي وسط الصحن، توجد «الميضأة» الحجرية القديمة التي حافظت على بساطتها كرمز للتطهر والسكينة.
• الترميم المعاصر: أمانة الحفاظ على الأثر
تعرض الجامع عبر تاريخه الطويل لعوامل التعرية الملحية القاسية، كما نالت منه الحرب الأهلية ببعض الأضرار. ولكن، وبفضل حرص الأوقاف وأهل المحلة، خضع الجامع لسلسلة من عمليات الترميم النموذجية. تم تنظيف الحجر الرملي بأساليب لا تخدش سطحه الأثري، وأُعيد تلميع الرخام والمقرنصات، مع إدخال تقنيات إضاءة حديثة تُبرز جمالية المئذنة والقباب في الليل، ليظل المسجد معلماً سياحياً وروحياً في آن واحد.
• رسالة من حجر وموج
جامع عين المريسة هو أكثر من مجرد مكان للشعائر؛ إنه «هوية معمارية» لمدينة رفضت أن تدير ظهرها للبحر. هو المكان الذي يثبت أن العمارة الإسلامية قادرة على التماهي مع الطبيعة بذكاء ووقار. مئذنته التي تشبه الفنار، وقبابه التي تحاكي اتساع السماء، وحجره الذي يختزن حكايا الصيادين، كلها عناصر تجعل منه «خزانة أسرار» بيروت الساحلية.
سيبقى هذا المسجد صامداً، يذكرنا بأن الجمال الحقيقي هو الذي يُبنى ليخدم الإنسان ويقدّس الخالق، وأن الفن المعماري هو أسمى وسيلة للتعبير عن الخشوع وسط هذا الملكوت الواسع.