في قلب بيروت، حيث يلتقي شارع ويغان بساحة النجمة، يقف معبد استثنائي يختزن في جدرانه سرّاً مذهلاً: إنه شاهد حيّ على ألفي عام من التاريخ البشري. الجامع العمري الكبير ليس مجرد مسجد، بل هو كتاب حجري كُتبت صفحاته على مدى عشرين قرناً، بأقلام حضارات متعاقبة: الرومان والبيزنطيون والصليبيون والمماليك والعثمانيون.
قراءة هذا الكتاب تحوّلت إلى لغز تاريخي محيّر. فعلى مدى قرون، تناقل المؤرخون روايات متضاربة، ونسخ بعضهم عن بعض دون تدقيق، حتى تراكمت طبقات من الأخطاء فوق الحقائق، كما تتراكم طبقات الغبار فوق المخطوطات القديمة.
• الخطأ القاتل: عندما يصبح جامعان واحداً
خلط المؤرخون بين جامعين مختلفين تماماً، لمجرد أنهما يحملان اسم «العمري». والنتيجة؟ فوضى تاريخية استمرت قروناً، حيث نُسبت خصائص أحد الجامعين إلى الآخر، وتداخلت الروايات، وضاع الحق وسط الباطل.
- الجامع الأول: «جامع البحر» الغامض:
الاسم: الجامع العمري القديم (الصغير)
الألقاب: جامع البحر، جامع التوبة.
الموقع: عند باب الدباغة قرب تل القلعة.
يصفه الشيخ محيي الدين الخياط في مخطوط نادر بأنه «أول جامع بناه المسلمون» في بيروت. وهو بناء عجيب: يرتفع عن الأرض خمسة عشر متراً، ويُصعد إليه بدرج حجري ضخم، وشكله كما يقول الخياط «شبيه بهندسة الكنائس». لماذا؟ لأنه بُني فوق أنقاض كنيسة بيزنطية، التي بُنيت بدورها فوق معبد روماني. إنه مثل كعكة طبقات من الحضارات!
أما لقب «جامع التوبة» فله قصة مؤلمة: عندما احتل الصليبيون بيروت، حوّلوه إلى كنيسة. وعندما حرر المسلمون المدينة، أعادوه مسجداً. كأنه «تاب» وعاد إلى أصله.
- الجامع الثاني: «جامع فتوح الإسلام» العملاق:
الاسم: الجامع العمري الكبير.
اللقب: جامع فتوح الإسلام.
الموقع: وسط بيروت التجاري (بين شارع ويغان وساحة النجمة).
ولتاريخه قصة مختلفة تماماً:
لم يُبنَ هذا المعلم في مرحلته الأولى على يد المسلمين، بل شُيّد أساساً ككنيسة صليبية حملت اسم «كنيسة القديس يوحنا المعمدان». وقد أقامها الصليبيون فوق أنقاض معبد روماني قديم وكنيسة بيزنطية، في تعاقبٍ عمراني يعكس تحوّلات السلطة والدين عبر القرون. وبعد استعادة المدينة، قام المماليك بتحويله إلى مسجد سنة 690هـ/1291م، وأطلقوا عليه اسم «جامع فتوح الإسلام» احتفالاً بالنصر وترسيخاً لمرحلة جديدة في تاريخ المكان.
• الرحّالة النابلسي يحسم الجدل
في سنة 1112هـ/1700م، وصل إلى بيروت الرحالة عبد الغني النابلسي. كان صوفياً وعالماً، وكان لحسن الحظ دقيق الملاحظة. جلس النابلسي في مقهى بيروتي، وسأل الناس عن جوامع مدينتهم. ثم دوّن بدقة متناهية في كتابه «التحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية»:
والجوامع بها أربعة:
1. الجامع الكبير [هذا هو العمري الكبير].
2. جامع الأمير منذر.
3. جامع الأمير عساف.
4. جامع البحر، ويسمّى عندهم الجامع العمري... وهو مرتفع ومطل على البحر، يصعد إليه بسلم من 15 درجة ثم بدرج آخر من 8 درجات.
ميّز النابلسي بوضوح بين «الجامع الكبير» و«جامع البحر». إنهما جامعان مختلفان! ووصف كل واحد منهما بدقة. هذه شهادة شاهد عيان من سنة 1112هـ/1700م، سجلها قبل أكثر من ثلاثة قرون. وهي تقطع الشك باليقين: هناك جامعان عمريان في بيروت، عمريان في بيروت، وليس واحداً!
• رحلة عبر الطبقات: جولة في «متحف الحضارات»
1. الطبقة العميقة: معبد جوبيتر الروماني:
العمق: تحت الأرض، مغلق عن العامة.
التاريخ: القرنان الأول والثاني الميلاديان.
الحالة: أساسات وأعمدة كورنثية ضخمة لا تزال قائمة.
في قلب الإمبراطورية الرومانية، عندما كانت بيروت مدينة لاتينية تُدعى «Berytus»، اختار الرومان هذا الموقع المرتفع لبناء معبد وثني ضخم.
وهذا ما بقي منه:
- أعمدة كورنثية بتيجان مزخرفة بأوراق الأقنثة النباتية.
- أساسات حجرية ضخمة ومتينة من الحجر الجيري المحلي.
- بقايا أرضيات من الفسيفساء (ربما).
هذه البقايا مقفلة تحت الجامع، بعيداً عن أعين الناس. اكتُشفت في القرن التاسع عشر خلال أعمال ترميم عثمانية، ثم أُعيد اكتشافها في القرن العشرين في حفريات أثرية محدودة.
2. الطبقة الوسطى: كنيسة بيزنطية مبكرة:
التاريخ: القرنان الرابع والخامس الميلاديان.
السبب: انتشار المسيحية في الإمبراطورية الرومانية.
في سنة 313م، أصدر الإمبراطور قسطنطين «مرسوم ميلانو» الذي أباح المسيحية. وفي سنة 380م، أصبحت المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية بموجب مرسوم الإمبراطور ثيودوسيوس الأول.
لم تُهدم معظم المعابد الوثنية، بل تحوّلت إلى كنائس. كانت عملية «إعادة تدوير» معمارية: تُزال تماثيل الآلهة الوثنية، وتُضاف الصلبان والأيقونات، ويُعاد تكريس المكان للّه الواحد. وهذا بالضبط ما حدث لمعبدنا الروماني: تحوّل إلى كنيسة بيزنطية استمرت تخدم الجماعة المسيحية في بيروت لقرون طويلة.
3. الطبقة العليا: كنيسة القديس يوحنا المعمدان الصليبية:
التاريخ: 503-690هـ / 1110-1291م (181 سنة).
الحدث المؤسس: احتلال الصليبيين لبيروت.
• الكارثة: سقوط بيروت (503هـ/1110م)
في سنة 503هـ/1110م، حاصر الصليبيون بيروت وسقطت في أيديهم. ويروي المؤرخ ابن القلانسي (المتوفى سنة 555هـ) في كتابه «ذيل تاريخ دمشق» مشهداً مؤلماً: «هدم الإفرنج مساجد بيروت، وحوّلوا الجامع الأعظم إلى كنيسة، ونهبوا أموالها».
ويؤكد المؤرخ ابن الأثير (المتوفى سنة 630هـ) في موسوعته «الكامل في التاريخ»: «خرّب الفرنج المساجد وأحرقوا ما فيها من مصاحف».
• بناء الكنيسة: معبد للقديس يوحنا
قرر الصليبيون بناء كنيسة كبرى في بيروت، وكرّسوها للقديس يوحنا المعمدان (النبي يحيى عليه السلام في التراث الإسلامي). وقد اختاروا الطراز المعماري «الرومانسك» (Romanesque) المميّز بالأقواس نصف الدائرية والجدران السميكة والأعمدة الضخمة.
لماذا تسمية يوحنا المعمدان بالذات؟
- مكانته الدينية الكبرى عند المسيحيين (هو من عمّد المسيح في نهر الأردن).
- نبي مشترك بين المسيحية والإسلام (قد تكون رسالة «دبلوماسية» للسكان المحليين).
- شعبيته بين فرسان الإسبتارية (Knights Hospitaller)، إحدى أهم الرهبانيات العسكرية الصليبية.
استمرت الكنيسة من 503هـ/1110م (الاحتلال الصليبي) إلى 690هـ/1291م (التحرير المملوكي)، مع فترة انقطاع قصيرة عندما حررها صلاح الدين الأيوبي سنة 583هـ/1187م، لكن الصليبيين استعادوها سنة 594هـ/1197م بموجب معاهدة الرملة.
• التحرير المملوكي: عندما ولد «جامع فتوح الإسلام»
كان صيف سنة 690هـ/1291م نقطة تحول في تاريخ المشرق الإسلامي. في شهر جمادى الأولى 690هـ (مايو 1291م)، سقطت عكا آخر معاقل الصليبيين الكبرى في يد السلطان المملوكي الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون. كان عمره 26 سنة فقط، لكنه قاد حملة عسكرية ضخمة مُحكمة التخطيط لتطهير الساحل الشامي من الوجود الصليبي. وفي الشهر نفسه، وصل دور بيروت.
- دخول المماليك:
عندما دخل جيش المماليك بيروت المحررة، كان أول ما فعلوه هو التوجه إلى الكنيسة الكبرى (كنيسة القديس يوحنا المعمدان)، وتحويلها إلى جامع. فتم:
- بناء محراب في الجدار الجنوبي المواجه لمكة المكرمة.
- تركيب منبر خشبي مرتفع للخطيب.
- كتابة آيات قرآنية على الجدران بالخط الثلث.
- تعيين إمام ومؤذن ومدرس للفقه.
- إطلاق اسم «جامع فتوح الإسلام»، إعلاناً لانتصار الإسلام واستعادة الأرض المقدسة.
استمر الطابع المعماري المسيحي في هندسة الجامع! ولهذا السبب لاحظ الشيخ محيي الدين الخياط - بعد قرون - أن «بناء الجامع شبيه بهندسة الكنائس». فهو فعلاً كان كنيسة!
• الشاهد الحجري: لوحة لا تكذب
أعظم دليل على هذا التحوّل هو لوحة رخامية لا تزال مثبتة على المدخل الغربي للجامع العمري الكبير حتى اليوم.
العالم السويسري الشهير ماكس فان برشم (Max van Berchem, 1863-1921)، أحد أعظم المتخصصين في النقوش العربية الإسلامية في التاريخ. نشر دراسته في كتابه الموسوعي «مواد لموسوعة النقوش العربية» (Matériaux pour un Corpus Inscriptionum Arabicarum, 1922-1927).
- نص اللوحة:
«بسم الله الرحمن الرحيم
جدّد هذا المسجد المبارك
في أيام مولانا السلطان الملك الأشرف
خليل بن المنصور قلاوون
سنة 690»
- أهمية اللوحة:
أولاً: وثيقة معاصرة - ليست رواية منقولة أو ذكرى شفهية، بل نقش حجري من زمن الحدث نفسه!
ثانياً: دقة التاريخ - التاريخ محدد بالسنة الهجرية: 690هـ (يقابلها 1291-1292م).
ثالثاً: اسم السلطان - الملك الأشرف خليل هو بطل التحرير وصاحب الفضل في تحويل الكنيسة إلى مسجد.
رابعاً: كلمة «جدّد» - تعني أن المبنى كان موجوداً (ككنيسة)، ثم «جُدد» (حُول إلى مسجد)، وليس بُني من الصفر.
• تفسير التسمية: «جامع فتوح الإسلام»
يطرح المؤرخ فاخوري تفسيراً ذكياً لهذه التسمية:
«عبارة جامع فتوح الإسلام تعني أن الجامع العمري الكبير هو أول ما حُول مسجداً عند الفتح». أي عند الفتح المملوكي (690هـ/1291م)، وليس الفتح الإسلامي الأول في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (القرن السابع الميلادي).
الدليل على هذا التفسير:
- لو كان من زمن عمر، لما احتاج اسم «العمري الكبير» للتمييز.
- التمييز بين «العمري الكبير» و«العمري الصغير» (جامع البحر) يثبت أن هناك جامعين مختلفين.
- جامع البحر (العمري الصغير) هو الأقدم (من الفتح الإسلامي الأول).
- الجامع العمري الكبير هو الأحدث (من عصر المماليك).
الجامع العمري الكبير ليس مجرد مبنى ديني، بل هو درس حيّ في التاريخ والتحوّل الحضاري. في حجارته العتيقة نقرأ قصة الحضارات التي تعاقبت على بيروت: الرومان الذين عبدوا آلهتهم في معبد فخم، البيزنطيون الذين حولوه إلى كنيسة مسيحية، الصليبيون الذين أعادوا بنائه على الطراز الرومانسكي، والمماليك الذين جعلوه مسجداً إسلامياً.