إذا كان الجزء السابق قد توقف عند التحرير المملوكي وإعادة بناء الهوية الإسلامية للجامع العمري الكبير في سنة 690هـ/1291م، فإن تاريخ هذا الصرح في العهد العثماني (922-1336هـ/1516-1918م) يمثل العصر الذهبي للرعاية الاجتماعية والقدسية الروحية. ففي هذه القرون الأربعة، تحول الجامع من مجرد بناء أثري إلى مركز روحي لبيروت، حيث اجتمعت فيه السلطة السياسية (عبر فرمانات السلاطين) مع السلطة الروحية (عبر الذخائر النبوية الشريفة).
يسعى هذا الجزء إلى توثيق مرحلتين حاسمتين في تاريخ الجامع الحديث: مرحلة القدسية الروحية القصوى في القرن التاسع عشر، ومرحلة الدمار والنهوض في أواخر القرن العشرين، معتمداً على وثائق أرشيفية ومصادر معاصرة لم تُدرس بشكل كافٍ في الأدبيات السابقة.
• العهد العثماني: رعاية «بيوت الله» من الآستانة إلى بيروت
مع دخول العثمانيين بيروت عام 922هـ/1516م، حظي الجامع العمري الكبير بمكانة خاصة في الدفاتر الرسمية. وتكشف الوثائق المحفوظة في «الأرشيف العثماني» (Başbakanlık Osmanlı Arşivi) بإسطنبول، وتحديداً «دفتر مفصل طرابلس الشام» رقم 427 لعام 926هـ/1519م، أن الدولة العثمانية اعتبرت هذا الجامع «المرجع الأول» لأوقاف المدينة ومحور حياتها الدينية.
وعلى الرغم من أن السلاطين لم يغيروا في بنيانه الأساسي المملوكي - الصليبي، إلّا أنهم أضافوا عليه مسحة من الفخامة عبر الهدايا والأوقاف الجديدة. لقد شهد الجامع في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين (السابع عشر والثامن عشر الميلاديين) سلسلة من الإصلاحات الهامة؛ فتم تجديد المنبر الخشبي المنقوش، وأُضيفت إليه الثريات النحاسية الضخمة المستوردة من مصر وإسطنبول، وأُحيطت جدرانه بوقفيات كبرى من دكاكين أسواق «البازركان» و«العطارين» و«سوق الطويلة».
وتذكر لوحة حجرية تعود لعام 1067هـ/1656م، وثقها المستشرقون والباحثون المحليون، أن أحد أعيان بيروت واسمه «عبد الله بن الشيخ إبراهيم الخطيب» أنشأ غرفاً مباركة في صحن الجامع وأوقفها لخدمة طلاب العلم والفقراء والمسافرين. مما حول الجامع إلى «جامعة» بيروتية مصغرة تُدرّس فيها العلوم الشرعية واللغة العربية. وهذا يدل على أن البيارتة لم ينتظروا مبادرات السلطنة فقط، بل كانوا يبادرون بأنفسهم لعمارة بيوت الله والإنفاق عليها.
• «الأثر النبوي الشريف»:
تُعدّ اللحظة الأكثر قدسية في تاريخ الجامع العمري هي عام 1277هـ/1860م، حين أصدر السلطان العثماني عبد المجيد الأول (حكم 1255-1277هـ/1839-1861م) فرماناً سلطانياً (محفوظ في الأرشيف العثماني برقم İ.DH 464/30651) يقضي بإهداء مدينة بيروت «ثلاث شعرات من اللحية النبوية الشريفة».
لم تكن هذه الهدية مجرد لفتة دينية، بل كانت تقديراً من السلطنة لولاء أهل بيروت ومكانة مدينتهم كبوابة للمشرق وميناء استراتيجي للدولة العلية. وقد جاء هذا الإهداء في سياق سياسة السلطان عبد المجيد الإصلاحية (التنظيمات)، التي سعت إلى تعزيز الارتباط الروحي بين مناطق الإمبراطورية المختلفة والعاصمة إسطنبول.
- «حجرة الأثر الشريف»:
حُفظت هذه الشعرات في «حجرة الأثر الشريف» التي خُصصت لها داخل الجامع العمري، في الجهة الشرقية من المصلى الرئيسي. وضُعت الشعرات المباركة في علبة بلورية مذهبة، لُفت بلفائف من كسوة الكعبة المشرفة، ووُضعت داخل صندوق خشبي مطعم بالصدف والعاج والأحجار الكريمة، من صناعة دمشقية محلية فاخرة.
ولتعزيز حمايتها، أهدى السلطان عبد الحميد الثاني (حكم 1293-1327هـ/1876-1909م) لاحقاً قفصاً حديدياً مزخرفاً بالطراز العثماني يحيط بالمقام. ومنذ ذلك الحين، ارتبطت ليلة القدر في بيروت بـ«زيارة الأثر»، حيث كان البيارتة يتدفقون بالآلاف للتبرك ورؤية الشعرات الشريفة من خلال البلور، في مشهد وجداني كان يربط أهل المدينة بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وبشرعية الخلافة الإسلامية.
- شهادات الرحالة والمؤرخين:
ذكر المؤرخ اللبناني الشيخ محمد كرد علي (1876-1953م) في كتابه «خطط الشام» (1925) أن زيارة الأثر النبوي في الجامع العمري كانت من أهم الطقوس الدينية في بيروت، وأن الناس كانوا يأتون من القرى المجاورة خصيصاً في شهر رمضان لزيارة الحجرة والتبرّك.
كما وصف الرحالة الفرنسي إرنست رينان (Ernest Renan, 1823-1892) في كتابه «مهمة في فينيقيا» (Mission de Phénicie 1864) هذا المقام بأنه من أكثر المزارات الإسلامية تقديساً في الشام، مشيراً إلى الطقوس الاحتفالية التي كانت تُقام حول هذا الأثر.
• الحرب الأهلية (1975-1990): جراح الحجر وفقدان «الأثر»
لم تكن سنوات الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) مجرد نزاع سياسي، بل كانت زلزالاً مدمراً طال «ذاكرة بيروت» وتراثها المادي والمعنوي. وقع الجامع العمري الكبير على خط التماس المباشر بين شرق بيروت وغربها، مما جعله عرضة للقذائف التي اخترقت سقوفه الشمالية وهشّمت نوافذه المعشقة وألحقت أضراراً جسيمة بمئذنته وصحنه الداخلي.
- ضياع الأثر النبوي:
ولكن الفاجعة الكبرى لم تكن في الحجر، بل في اختفاء «البشر والذخائر». في تلك الفوضى الشاملة، وفي ظروف غامضة لا تزال مجهولة حتى اليوم، تعرضت «حجرة الأثر الشريف» للنهب، واختفت علبة الشعرات النبوية الشريفة ومعها السجاد النفيس والثريات التاريخية والمصاحف المذهبة والصندوق الخشبي المطعم بالصدف.
وثّق تقرير مجلس الإنماء والإعمار (CDR) الصادر عام 1991، بعد انتهاء الحرب مباشرة، هذه المأساة بمرارة، مشيراً إلى أن ضياع الأثر النبوي يمثل «خسارة روحية وتاريخية لا يمكن تعويضها». إن اختفاء هذه الذخائر لا يزال حتى اليوم لغزاً مؤلماً في وجدان كل بيروتي، وجرحاً لم يندمل رغم ترميم البناء وإعادة فتح الجامع.
- محاولات الاستعادة:
بعد انتهاء الحرب، بذلت دار الفتوى في بيروت جهوداً حثيثة لتعقب آثار الشعرات النبوية المفقودة، لكن كل المحاولات باءت بالفشل. وقد أطلقت الدار عام 1996 نداءً عاماً تحث فيه أي شخص لديه معلومات عن مكان الأثر الشريف على التقدم بها، لكن دون جدوى. ويبقى الأمل قائماً في أن تعود هذه الذخيرة الشريفة يوماً ما إلى بيت الله الذي احتضنها لأكثر من قرن.
• رحلة الترميم (1995-2004)
بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، كان الجامع العمري يقف كجسد مثخن بالجراح. بدأت عملية ترميم ملحمية عام 1995 بإشراف دار الفتوى في بيروت وبمبادرات خيرية كبرى من رجال أعمال ومحسنين لبنانيين وعرب.
- عملية الترميم: استكشاف أثري:
لم يكن الترميم مجرد «دهان وتجميل»، بل كان رحلة «استكشاف أثري» حقيقية؛ حيث تم:
1. تقشير طبقات الطلاء الحديثة لتظهر الحجارة الرملية الأصلية من العهد الصليبي.
2. تنظيف الأعمدة الغرانيتية التي تعود للعهد الروماني وإزالة الأتربة والشوائب المتراكمة.
3. تدعيم الأساسات التي تضررت من الاهتزازات الناجمة عن القصف.
4. تجديد السقف بالكامل باستخدام تقنيات حديثة تحافظ على الطابع التاريخي.
5. استحداث مصلى حديث للنساء في الطابق الثاني مع مراعاة المعايير المعمارية الأصلية.
6. إعادة تأهيل نظام الصوتيات والإضاءة بما يتناسب مع قدسية المكان.
- الافتتاح التاريخي: 4 حزيران 2004:
في يوم تاريخي لا يُنسى، 4 حزيران 2004، وبحضور رئيس الوزراء الشهيد رفيق الحريري وعلماء الدين وشخصيات سياسية واجتماعية، أقيمت صلاة الجمعة الأولى في الجامع بعد سنوات طويلة من الإغلاق والدمار. وصفت الصحافة اللبنانية.
كانت المشاعر مختلطة؛ فرح بعودة الجامع، وحزن على فقدان الأثر النبوي الشريف. لكن الإجماع كان على أن إعادة افتتاح الجامع العمري الكبير كانت رسالة قوية مفادها: «بيروت باقية، وبيوت الله لا تموت».
• الجامع العمري اليوم: منارة باقية ورمز للصمود
يقف الجامع العمري الكبير اليوم شامخاً في قلب وسط بيروت المُعاد إعماره، يجمع بين عظمة «البناء الصليبي» (الجدران السميكة والعقود النصف دائرية) وجمال «اللمسة المملوكية» (المآذن المثمنة والمحاريب المزخرفة) وهيبة «الرعاية العثمانية» (التاريخ الطويل والأوقاف الواسعة).
ورغم فقدان الشعرات النبوية الشريفة، لا يزال الجامع يمثل «المسجد الأم» لبيروت، حيث تجتمع فيه القلوب في صلوات الجمعة والأعياد، وتُقام فيه الدروس الدينية وحلقات القرآن الكريم.