في الوسط الشمالي لمدينة بيروت القديمة، كان يمتد شارع طويل يلامس جانباً من جوانب سورها لجهة الغرب، عُرف في بداية القرن العشرين بشارع «سوق الطويلة». إلّا أن هذا السوق كان يُعرف منذ العهد العباسي بـ«محلة الإمام الأوزاعي»، تيمّناً بالبيت المتواضع الذي سكن فيه الإمام عبد الرحمن الأوزاعي، الذي ما لبث أن تحوّل إلى زاوية عُرفت باسمه.
إن دراسة تاريخ هذه الزاوية ليست مجرد بحث في معلم ديني اندثر، بل هي دراسة لحقبة ذهبية من تاريخ الفقه الإسلامي في بيروت، حين كانت المدينة مركزاً علمياً يُشع على الشام والمغرب والأندلس. وهي أيضاً قصة مأساوية عن كيف يمكن للإهمال والحروب أن تمحو معالم حضارية عريقة من الوجود.
• الإمام الأوزاعي: فقيه الشام ومجتهد الأمة
- نسبه ونشأته:
هو الإمام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد الأوزاعي، وُلد سنة 88هـ/707م في بعلبك، وقيل في دمشق. ونُسب إلى «الأوزاع»، وهي قرية في غوطة دمشق، أو قبيلة يمنية كانت تسكن هذه المنطقة.
نشأ الأوزاعي يتيماً فقيراً، فحفظ القرآن صغيراً وتتلمذ على يد كبار علماء عصره في دمشق، ومنهم الزهري ومكحول الشامي وعطاء بن أبي رباح. وقد اشتهر بالزهد والورع والعلم الغزير، حتى قال عنه الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء»: «كان الأوزاعي إمام أهل الشام في الفقه والحديث».
- هجرته إلى بيروت ورباطه فيها:
في أواخر العهد الأموي، وتحديداً في عهد الخليفة مروان بن محمد (127-132هـ/744-750م)، انتقل الأوزاعي إلى بيروت واستقر فيها مرابطاً على ساحلها. وكانت بيروت في ذلك الوقت ثغراً إسلامياً مهماً يواجه التهديدات البيزنطية البحرية، مما جعل الرباط فيها عملاً جهادياً وعبادياً في آن واحد.
وقد ذكر الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» أن الأوزاعي «كان مؤذن مسجد بيروت»، مما يدلّ على تواضعه الشديد رغم مكانته العلمية العالية. واختار الأوزاعي أن يعيش في بيت صغير متواضع في محلة على أطراف المدينة، بعيداً عن مراكز السلطة والجاه.
- موقفه من السلطة العباسية:
بعد سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية سنة 132هـ/750م، رفض الأوزاعي الاندماج في البلاط العباسي، واختار البقاء في بيروت بعيداً عن دمشق التي أصبحت تحت السيطرة العباسية. وقد سُجلت له مواقف شجاعة في مواجهة بعض تجاوزات الولاة، منها احتجاجه على عبد الله بن علي العباسي (عم الخليفتين السفاح والمنصور) عندما أراد قتل الأسرى الأمويين بعد معركة الزاب.
هذا الموقف جعل الأوزاعي رمزاً للاستقلالية العلمية والشجاعة الأخلاقية، وعزز مكانته في قلوب أهل الشام الذين رأوا فيه حافظاً لهويتهم الفقهية.
• المذهب الأوزاعي: مدرسة فقهية سادت قرنين
- أصول المذهب ومنهجه:
يُعد المذهب الأوزاعي أحد المذاهب الفقهية الكبرى في تاريخ الإسلام، وقد ساد في بلاد الشام والمغرب والأندلس لقرنين من الزمان قبل أن يحل محله المذهب الشافعي في الشام والمالكي في المغرب.
كان منهج الأوزاعي قائماً على:
١- الاعتماد على القرآن والسنّة كمصدر أول.
٢- الأخذ بأقوال الصحابة والتابعين.
٣- مراعاة عمل أهل المدينة (كما يفعل الإمام مالك).
٤- الاجتهاد بالرأي عند عدم وجود النص.
٥- التيسير على الناس ورفع الحرج.
وقد أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة فقهية، كما ذكر المؤرخون، مما يدلُّ على غزارة علمه وسعة اجتهاده.
- انتشار المذهب في الشام:
ساد المذهب الأوزاعي في بلاد الشام منذ منتصف القرن الثاني الهجري حتى أواخر القرن الرابع الهجري (تقريباً 150-400هـ/767-1009م)، أي لمدة قرنين ونصف تقريباً. وكان قضاة الشام ومفتوها يُعيّنون من أتباع هذا المذهب، وكانت المساجد الكبرى في دمشق وحلب وبيروت وطرابلس تُدرّس الفقه على المذهب الأوزاعي.
• انتشار المذهب في المغرب والأندلس
انتقل المذهب الأوزاعي إلى المغرب والأندلس مع الفاتحين الأوائل الذين جاءوا من الشام، وساد هناك في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي.
• زاوية الإمام الأوزاعي: من بيت متواضع إلى مدرسة خالدة
- تأسيس الزاوية وموقعها:
كانت زاوية الإمام الأوزاعي تقع في قلب بيروت القديمة، وتحديداً في سوق الطويلة، داخل السور العتيق للمدينة. وتُعتبر من أقدم المعالم الدينية والعلمية في بيروت، حيث ارتبطت باسم إمام أهل الشام الذي عاش ودُفن في هذه المدينة.
بعد استقرار الأوزاعي في بيروت، اتخذ له بيتاً متواضعاً في هذه المحلة. وسرعان ما تحول هذا البيت إلى «زاوية» يقصدها طلاب العلم والمريدون من مختلف أنحاء الشام والحجاز واليمن.
كانت الزاوية في عهد الأوزاعي مركزاً علمياً نشطاً، تُدرّس فيه: الفقه والأصول - الحديث النبوي الشريف - التفسير - العربية والنحو - الزهد والرقائق.
والزاوية لم تكن مجرد مسجد صغير، بل كانت وقفاً متكاملاً يضم غرفاً لطلبة العلم يسكنون فيها ويتلقون العلم، ومصلى للصلاة والذكر، ومرافق للضيافة. وكانت مقصداً للبيروتيين للتبرّك واستذكار سيرة الإمام، وظلت قائمة لقرون كشاهد على وجود الأوزاعي في داخل السور، في قلب المدينة القديمة.
وكان الأوزاعي يجلس في الزاوية يُفتي الناس ويُجيب على أسئلتهم الفقهية، ويُملي على تلاميذه الأحاديث والفتاوى. وقد وصف الرحالة والمؤرخون هذه الحلقات العلمية بأنها كانت من أعظم مجالس العلم في الشام في ذلك العصر.
- وفاة الإمام وتحول ضريحه إلى مزار:
توفي الإمام الأوزاعي سنة 157هـ/774م في بيروت، ودُفن في قرية حنتوس التي حملت اسمه، والتي أصبحت ضريحاً ومزاراً. وقد حزن أهل الشام حزناً شديداً على وفاته، حتى قال الإمام الذهبي: «لما مات الأوزاعي، ذهب علم كثير من الشام».
بعد وفاته، استمرت الزاوية كمركز علمي لبعض الوقت، حيث تولى بعض تلاميذه التدريس فيها. لكن مع مرور الزمن وتراجع المذهب الأوزاعي، تحولت الزاوية من مدرسة فقهية إلى مزار روحي يقصده الناس للتبرك والدعاء وتقديم النذور.
- الزاوية في العصر الأيوبي والمملوكي:
خلال الحقبة الأيوبية (القرن السادس والسابع الهجري)، حظيت زاوية الأوزاعي باهتمام خاص، حيث جددها الأمراء الأيوبيون وأوقفوا عليها أوقافاً لصيانتها وإنارتها. وذكر الرحالة ابن جبير (ت 614هـ/1217م) في رحلته أنه زار «مقام الإمام الأوزاعي في بيروت، وهو مزار مبارك يقصده الناس».
وفي العصر المملوكي، ورد ذكر الزاوية في سجلات الأوقاف، حيث كانت تُدار من قبل ناظر معيّن من قبل القاضي، وكانت لها مداخيل من دكاكين ومزارع موقوفة عليها.
- الزاوية في العصر العثماني:
في العصر العثماني، استمرت زاوية الأوزاعي كأحد المعالم الدينية البارزة في بيروت. وقد ذكرها الرحالة عبد الغني النابلسي في رحلته سنة 1112هـ/1700م، واصفاً إياها بأنها «زاوية مباركة يُقصد فيها الإمام الأوزاعي، فقيه الشام».
وفي القرن التاسع عشر، وردت الزاوية في «سالنامات ولاية بيروت» (الكتب السنوية الرسمية)، ضمن قائمة الزوايا والمزارات في المدينة، مما يؤكد استمرار أهميتها حتى نهاية العهد العثماني.
• مأساة الاندثار: من الإهمال إلى الهدم
- عهد الانتداب الفرنسي (1920-1943): بداية التآكل:
بدأ الإهمال يطال الزاوية مع التوسع العمراني الذي شهده وسط بيروت في بدايات القرن العشرين، حيث تآكلت بعض مرافقها المحيطة وأوقافها الملحقة. ومع دخول الانتداب الفرنسي على لبنان (1920-1943م)، تفاقمت الأوضاع بشكل دراماتيكي.
خلال عهد الانتداب الفرنسي، تعرّضت زاوية الأوزاعي لإهمال شديد. وعندما وضعت سلطات الانتداب يدها على إدارة الأوقاف الإسلامية في لبنان، قررت هدم معظم أجزاء الزاوية لبناء دكاكين تجارية مكانها، بحجة «تطوير المنطقة» و«زيادة موارد الأوقاف».
كانت هذه السياسة جزءاً من نهج عام لتحويل الأوقاف الإسلامية من مؤسسات دينية وخيرية إلى مشاريع استثمارية تجارية، مما أدى إلى طمس كثير من المعالم التاريخية في بيروت ومدن لبنانية أخرى.
وقد احتجّ علماء الدين وأهالي بيروت على هذا الهدم، لكن اعتراضاتهم لم تُسمع. ولم يبقَ من الزاوية إلّا القبة التي تعلو حجرة الضريح والمصلى الصغير الملحق، كآخر شواهد على هذا المعلم العريق. لكن الزاوية بقيت كبناء أثري معروف ومعلم ديني يُقصد للزيارة حتى قبيل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية.
- مبادرة آل بيهم العيتاني (منتصف القرن العشرين):
في أواسط القرن العشرين، بادر جماعة من آل بيهم العيتاني، وهم من أعيان بيروت المعروفين وأحفاد علماء ومشايخ، إلى تشييد مسجد صغير فوق القبة المتبقية من زاوية الإمام الأوزاعي، على مدخل سوق الطويلة.
كان هذا المسجد الصغير محاولة لإحياء ذكرى الإمام الأوزاعي والحفاظ على ما تبقى من معالم زاويته. وقد استُخدم المسجد للصلاة وإقامة حلقات القرآن، وكان يُقصد للزيارة في المناسبات الدينية.
- الحرب الأهلية والدمار النهائي (1975-1990):
لكن الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) كانت الضربة القاضية لما تبقى من معالم الزاوية. فقد وقع وسط بيروت، وتحديداً منطقة سوق الطويلة، على خط التماس بين الأطراف المتحاربة، مما عرّضه لدمار واسع.
وقد تهدم المسجد الصغير الذي بناه آل بيهم العيتاني، وانهارت القبة التاريخية التي كانت آخر ما تبقى من الزاوية الأصلية. ولم يبقَ من كل هذا التاريخ العريق إلا الاسم: «محلة الأوزاعي»، الذي ظل عالقاً في ذاكرة بعض كبار السن من أهل بيروت.
- ما بعد الحرب: الطمس:
بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، وخلال عملية إعادة إعمار وسط بيروت، حدثت الكارثة الأكبر.
إن ما جرى في مرحلة إعادة إعمار وسط بيروت أدى إلى طمس معالم الزاوية كلياً ونهائياً. فبدلاً من ترميمها كمعلم تاريخي ووقفي له خصوصيته الدينية والتراثية، تم جرف المنطقة بالكامل وتغيير معالمها العقارية، لتتحوّل الأرض التي كانت تقوم عليها الزاوية إلى جزء من مشاريع تجارية حديثة، دون مراعاة لخصوصيتها الوقفية أو أهميتها التاريخية.
- غياب التوثيق وضياع حقوق الوقف:
وقد ساهم في هذا الضياع عدة عوامل مترابطة:
أولاً: غياب التوثيق الدقيق - لم تكن حدود أوقاف الزاوية مثبتة بدقة في سجلات الدوائر العقارية الحديثة، مما سهّل دمجها في المخطط العمراني الجديد دون تمييز.
ثانياً: ضعف الجهات الوقفية - عدم إصرار الجهات الوقفية آنذاك على تثبيت حدود هذه الزاوية ككيان مستقل لا يجوز التصرف به أو دمج عقاراته في مشاريع تجارية.
ثالثاً: الأولوية للاستثمار التجاري - تغليب المصالح الاقتصادية والعقارية على الحفاظ على المعالم التاريخية والديني
• من موقف وقفي إلى مجرد ذكرى
باختصار، تحوّلت «زاوية الإمام الأوزاعي» في سوق الطويلة من «موقف وقفي» له حرمته الشرعية والقانونية، إلى «مجرد ذكرى» في الأوراق التاريخية والكتب القديمة. واختفت تماماً من الخارطة الجغرافية لبيروت اليوم، بسبب المشاريع العقارية التي لم تحفظ حق الوقف ولم تراعِ قدسية المكان.
ولم يُترك أي علامة أو لوحة تذكارية تشير إلى أن هذا المكان كان يوماً ما مقر فقيه الشام الأعظم ومؤسس مذهب فقهي ساد قرنين من الزمان. وهكذا، طُويت صفحة زاوية الأوزاعي نهائياً من تاريخ بيروت المعاصر، في واحدة من أكبر الخسائر التراثية التي تعرّضت لها المدينة في العصر الحديث.