بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 شباط 2026 12:00ص بيوت الله في بيروت: رحلة عبر قرون من الإيمان والعمارة (8)

جامع شمس الدين: من برج الجهاد إلى الهدم المأساوي

حجم الخط
نتناول في جزئنا اليوم من السلسلة حكاية مسجد آخر من مساجد بيروت المملوكية، لكنها حكاية من نوع مختلف؛ حكاية مسجد لم يصمد أمام الزمن ولا أمام الحروب، بل سقط على يد من كان يُفترض أن يحميه. إنه جامع شمس الدين، الذي وقف في قلب سوق البازركان لقرون، قبل أن تهدمه مديرية الأوقاف الإسلامية نفسها عام 1949، لترفع مكانه بناية تجارية.
هذه القصة المؤلمة ليست مجرد حكاية هدم مسجد، بل هي شاهد على مرحلة من تاريخ بيروت الحديث، حين تحولت القيم وانقلبت الأولويات، وأصبحت الريوع التجارية أهم من التراث الديني والذاكرة الجماعية.

• الموقع: في قلب سوق البازركان

من المساجد التي كانت موجودة في باطن بيروت أيام المماليك جامع شمس الدين، الذي كان قائماً في منتصف سوق البازركان. وسوق البازركان، الذي يُعتبر من أقدم أسواق مدينة بيروت، يتصل بين شارع ويغان عند باب إدريس وشارع عبد الحميد كرامي المتفرع من ساحة النجمة، وبمحاذاته جامع الأمير منذر. وهذا السوق كان من الأسواق المسقوفة التي تُسمى بالقيسارية (covered market)، وهو نمط معماري تجاري شاع في المدن الإسلامية لحماية التجار والبضائع من المطر والشمس.
إن وجود المسجد في قلب السوق التجاري لم يكن عبثياً؛ فالتجارة والعبادة كانتا متلازمتين في المدن الإسلامية التقليدية. كان التجار يتوقفون عن البيع والشراء عند كل أذان، ليتوجهوا إلى المسجد القريب، ثم يعودون إلى دكاكينهم. وكان المسجد أيضاً مكاناً لحل النزاعات التجارية، وشاهداً على العقود والصفقات، ومركزاً للتكافل الاجتماعي بين التجار.

• التسمية

عُرف الجامع بهذا الاسم لوجود قبر الأمير محمد شمس الدين الخطاب بجانب بابه الشرقي. ويُنسب إليه أنه من جملة الذين استشهدوا في الحروب الصليبية، وقد كُتب على ضريحه هذان البيتان:
لشمس الدين مولانا محمد
كرامات له بالفضل تشهد
أمير مات في الدنيا شهيداً
وفي هذا الضريح لقد توسد
لكن هوية هذا الأمير تبقى غامضة؛ فقد رُوي أن شمس الدين المذكور قد يكون شمس الدين محمد بن يوسف بن إلياس القونوي (المتوفى في القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي)، وهو عالم ومجاهد تركي معروف.

• لغز الشهادة: بين التاريخ والأسطورة

ذكر البعض أن شمس الدين محمد بن يوسف بن إلياس القونوي (المعروف بشمس الدين الخطاب) كان من جملة من استُشهد في واقعة عسكرية مع الصليبيين، وأنه مدفون في الجهة الشرقية من الجامع المعروف باسمه وسط بيروت.
ومن المتناقل في بيروت إطلاق صفة الشهيد على شمس الدين المذكور. ففي سنة 1229هـ (1813م)، عندما حلّ الشيخ عبد الرحمن الكزبري ضيفاً على مفتي بيروت الشيخ عبد اللطيف فتح الله، مدحه هذا الأخير بقصيدة جاء فيها:
كذا شمس الدين أعني شهيدها
بزاوية تُعزى إليه وتُنسب
وهذا يدل على أن صفة «الشهيد» كانت راسخة في الوجدان الشعبي البيروتي بحلول القرن التاسع عشر، بغض النظر عن الحقيقة التاريخية الدقيقة.

• رواية القس حنانيا المنير: قصة الاغتيال

وفي رواية مقبولة ذكرها القس حنانيا المنير في كتابه «الدر المرصوف في تاريخ الشوف»، خلاصتها أن ابن ملك الفرنج (الصليبيين) حضر إلى بيروت بجماعة من أصحابه. فاحتسب المسلمون أن قومه سيتدخلون شيئاً فشيئاً حتى يتملّكون البلد.
وكان فيهم شيخ أعمى يُقال له الشيخ شمس الدين، فحضر ومعه جماعة من المسلمين حتى دنا من ابن الملك. فسأله صدقة (كحيلة للاقتراب منه)، وبينما اشتغل الأمير الصليبي بإخراج ما يعطيه، هجم عليه الشيخ الأعمى وأخذ بعنقه!
فوثبت عليه أصحاب الأمير واعترضهم المسلمون، فلم يصلوا إليه حتى مات الشيخ شهيداً. ونُعي الأمر إلى الملك الصليبي، الذي جهّز عمارة بحرية عظيمة (أسطولاً حربياً) فدخل بيروت وقتل خلقاً كثيراً من أهلها انتقاماً.

• ساحة الشهداء: ذاكرة الدماء

يُذكر أن الساحة التي كانت موجودة بين تقاطع شارعي ويغان والمعرض (شارع الأمير بشير - اللنبي لاحقاً) كانت تُعرف بـ«ساحة الشهداء»، وهم الذين استُشهدوا أثناء الحروب الصليبية. وهذا يربط بين اسم الساحة واسم المسجد، في تأكيد على أن الذاكرة الجماعية البيروتية حفظت قصة الصراع مع الصليبيين، حتى لو اختلطت التفاصيل التاريخية بالروايات الشعبية.
مع الإشارة إلى أن اسم «شمس الدين» كان من ألقاب القضاة والعلماء في ذلك الزمان، وأن الروايات حول استشهاده متضاربة؛ فبعض المصادر تقول إنه مات بالطاعون (كما ذكر ابن العماد الحنبلي)، وبعضها تنسب إليه قصة الاغتيال البطولية. وهذا التضارب يعكس اختلاط التاريخ بالأسطورة، وهو أمر شائع في سير الأولياء والمجاهدين.

• الأصل: برج جهادي أم مسجد من البداية؟

ثمة من يعتقد أن مسجد شمس الدين كان في الأسال برجاً دفاعياً قبل تحويله إلى جامع.
ويستند القائلون بهذه النظرية إلى ما ذكره ابن العماد الحنبلي (المتوفى سنة 1089هـ/1679م) في كتابه «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»، بأن شمس الدين محمد بن يوسف القونوي كان يتردد إلى بيروت وصيدا على نية الرباط والجهاد (أي الإقامة على الثغور لحماية السواحل الإسلامية من الغارات الصليبية والبيزنطية).
وقد باشر القتال في بيروت وبنى على ساحلها برجاً لهذه الغاية، وانقطع فيها (أي أقام فيها بشكل دائم) إلى أن توفي بالطاعون (وليس شهيداً في المعركة، على عكس ما تقول الأبيات!).
وبما أن وقف «جامع شمس الدين» اشتهر باسم وقف القونوي، فالاعتقاد والكلام للمؤرخين المحليين بأن البرج الذي بناه القونوي هو نفسه الذي تحوّل إلى مسجد فيما بعد.
وهذا التحوّل من برج عسكري إلى مسجد له نظائر كثيرة في التاريخ الإسلامي؛ فالرباطات (الحصون الساحلية) كانت تتحول إلى زوايا ومساجد بعد انتهاء الخطر العسكري، وكان المجاهدون المرابطون يتحولون إلى علماء ومتصوفين يُقيمون في تلك الأماكن للعبادة والتدريس.

• التجديد العثماني: «الجامع الجديد»

في وقت لاحق، في القرن التاسع عشر الميلادي، عُرف «جامع شمس الدين» باسم «الجامع الجديد»، استناداً إلى سجل العام 1269هـ/1853م من مجموعة سجلات المحكمة الشرعية في بيروت. وقد أُطلق عليه هذا الاسم بعد إجراء تغييرات وإدخال تحسينات عليه بواسطة المحسن حسن آغا (من أعيان بيروت في القرن التاسع عشر).

• الأوقاف الجديدة

ذكرت السجلات الشرعية لسنة 1259هـ (1843م) أوقافاً وصدقات لصالح ما يُسمى بـ«وقف الجامع الجديد»، حيث يُرجح أن عبارة «الجديد» تعني تجديد «زاوية شمس الدين» القديمة وتحويلها إلى جامع كامل بمنبر ومئذنة.
ويقتضي التنويه بأن من ضمن ما ذُكر من أوقاف الجامع المذكور «دكان وقف جانب المرحوم حسن آغا الذي عمّر الجامع». وهذا يدلّ على أن حسن آغا لم يكتف بتمويل ترميم الجامع، بل وقف أيضاً دكاناً تجارياً (متجراً) لتكون عوائده السنوية مخصصة لصيانة الجامع ورواتب إمامه ومؤذنه.

• الأئمة والخطباء: سلسلة العلماء

من خطباء «شمس الدين» أو «الجامع الجديد» في القرن التاسع عشر الميلادي:
1. الشيخ محمد أبو النصر بن الشيخ عمر اليافي.
2. الشيخ خالد بن الشيخ محمد أبو النصر- ابن الخطيب السابق، وهذا يدل على توارث الوظيفة في العائلات العلمية.
ومن أئمته (الذين يؤمون الصلوات الخمس):
1. الشيخ عبد السلام بن الشيخ مصطفى قرنفل.
2. الشيخ محمد بن الشيخ عمر البربير.

• تعيين مدرس الجامع (1291هـ/1874م)

وفي سنة 1291هـ (1874م)، صار عرض توجيه التدريس العام في جامع شمس الدين على الشيخ محمد سعيد الجندي من علماء بيروت.
ونُظم إعلام (وثيقة رسمية) بذلك من محكمة بيروت الشرعية، أُرسل إلى نظارة الأوقاف في الآستانة (إسطنبول). فورد الاستعلام عن الجامع وكيفية أوقافه، فأجاب محمد عطا (محاسبجي أوقاف بيروت - أي محاسب الأوقاف) بما يلي:
«إن الجامع هو الجامع الجديد، وإنما أُضيف إلى شمس الدين لوجود تربته فيه، وهو من الغزاة المجاهدين».
وهذه الوثيقة الرسمية تؤكد ثلاثة أمور مهمة:
1. أن الاسم الرسمي للجامع في أواخر القرن التاسع عشر كان «الجامع الجديد».
2. أن تسمية «شمس الدين» نسبة إلى الضريح الموجود فيه.
3. أن السلطات العثمانية الرسمية اعترفت بأن شمس الدين كان من المجاهدين، وهذا يرجح رواية الاستشهاد على رواية الموت بالطاعون.
وهذه السلسلة من الأسماء تعكس استمرارية الحياة الدينية والعلمية في الجامع حتى القرن العشرين، وتدل على أنه كان مسجداً نشطاً يخدم حي التجار في سوق البازركان.

• الهدم المأساوي: 1949م

لكن هذا الجامع العريق لم يعد قائماً. ففي سنة 1949م، اتخذت مديرية الأوقاف الإسلامية قراراً صادماً بهدم الجامع ورفع مكانه بناية تجارية متعددة الطوابق.

• الأثر الوحيد: نقيشة على بناية

ولم يبقَ من آثار الجامع الدالة عليه سوى نقيشة مثبتة فوق مدخل البناية التجارية التي حلت محله، وعليها الكتابة التالية:
مديرية الأوقاف الإسلامية
بناية وقف شمس الدين
وهذه النقيشة الصغيرة، رغم أنها تحمل اسم الجامع، إلّا أنها شاهد على الخسارة أكثر من كونها شاهداً على البقاء. فالمارة في سوق البازركان اليوم، حين يقرؤون هذه النقيشة، لا يعرفون شيئاً عن الجامع الذي كان هنا، ولا عن الأمير شمس الدين الذي دُفن فيه، ولا عن البرج الجهادي الذي ربما كان أساسه.
جامع شمس الدين غائب عن خريطة بيروت المعاصرة، لكنه حاضر في ذاكرة المدينة. كلما مررنا بسوق البازركان وقرأنا النقيشة الصغيرة «بناية وقف شمس الدين»، نتذكّر أن تحت هذه البناية التجارية كان يقف مسجد عمره قرون، وأن في هذا المكان كان يُرفع الأذان خمس مرات يومياً، وأن هنا كان يجتمع تجار بيروت للصلاة قبل أن يعودوا إلى دكاكينهم.