بيروت - لبنان 2022/07/04 م الموافق 1443/12/04 هـ

«تسونامي» الطلاق يجتاح الأُسر في لبنان

القاضي الشيخ د. محمد نقري
حجم الخط

تعدّدت أسباب الخلافات العائلية والحل واحد بالنسبة لأكثرية الراغبين في التوصل الى حلّ هذه التلخلافات وذلك باللجوء الى الطلاق. هذا الحل الإقصائي المتطرف والمتزايد بشكل مخيف لا يخص لبنان وحده، بل ويتعدّاه الى بلاد الجوار. فعلى سبيل المثال، تسجل مصر حالة طلاق كل دقيقتين وفق إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء التي تشير الى أن عدد عقود الزواج خلال 2020 بلغ 876 ألف عقد، و880 ألف خلال عام 2021، أما بيانات الطلاق في عام 2020 جاءت بنحو 222 ألف حالة، ثم ارتفعت بنسبة 13% لتبلغ 245 ألف حالة خلال 2021، مضيفة وفقاً لبيانات 2020 تحدث حالة طلاق كل دقيقتين، أي بمعدل 25 حالة في الساعة.
ليس لبنان إذاً أحسن حالاً من شقيقته مصر ولا في باقي الدول المجاورة، فمعدلات الطلاق زادت بسرعة كبيرة خاصة بعد النزوح السوري، وإقفال البلد خلال جائحة كورونا، والأزمات الاقتصادية الهائلة والمتتالية والجارفة، التي حالت دون تأمين وسائل عيش كريمة للأسر المقيمة في لبنان. ولعل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإفتراضي زادت من أفق الخلافات الزوجية، مع تزايد العنف الأسري الذي أدّى الى ارتفاع ملحوظ في معدل حالات الطلاق.
ولعلّي لا أستبعد مسؤولية المؤسسات القضائية التي ترعى مسائل الزواج والطلاق في الحد من تنامي هذه الظاهرة، إذ تغيب عنها جلسات التوعية والإرشاد في مرحلتي الزواج وخلال فترة الإلتجاء الى المحاكم لحل الخلافات الزوجية. منذ البداية مؤسساتنا التعليمية الشرعية لا تشدّد في الحلقات الدراسية للفقه الإسلامي ولا في المناهج الدراسية الجامعية إلا على أركان وشروط عقد النكاح وتسترسل فيما إذا قال لزوجته «أنت طالق»، بينما تغيب عنها المحاضرات الممنهجة عن الإرشادات الأساسية والنفسية، بل والبيولوجية التي يجب معرفتها واتقانها والتحدث بها وتوعية المقدمين على الزواج أو على الطلاق. فينشأ جيل من العلماء يبرع بإتقان منقطع النظير بآلية إجراء عقد الزواج منذ حين تصدّره مجلس العقد وإلقاء خطبة الزواج وحيثياته الدينية، وطلبه للمقدمين على الزواج أو وكلائهم ترديد عبارات الإيجاب والقبول ابتداء من «زوّجتك نفسي» الى «قبلت زواجك» ونهايةً في رفع الأيدي لقراءة الفاتحة. هكذا بكل بساطة تبتدأ وتنتهي مراسم عقود الزواج في دقائق معدودة دون أي توعية وتنشئة على مفاهيم قيم الزواج والتحذير من مخاطره. ولعل الصورة الأكثر امتهاناً للزوجة بشكل خاص عندما يأتي الطرفان مع أهلهم الى المحكمة وسط ازدحام معاملات دعاوى الطلاق، الى إجراء عقود زواجهم في أروقة المحكمة أو المكاتب الملحقة بها.
إضافة الى ما سبق، فأن عدداً كبيراً من الذين يقدمون على الزواج من النازحين السوريين، ما زالوا يحتكمون الى أعراف قديمة لا تتوافق مع ما تطلبه القوانين مرعية الإجراء من شروط جوهرية وشكلية للزواج إضافة الى الفحوص الطبية الإلزامية، فيجدون أنفسهم حين الطلاق ملزمين باللجوء الى المحاكم الشرعية لإجراء معاملات تثبيت زواجهم وطلاقهم. وما بين فترة زواجهم وطلاقهم يعاني الزوجان وخاصة الزوجة من صعوبات جمّة في التأقلم مع بعضهما البعض، نظراً لعدم تلقّيهما الإرشادات والنصائح قبل الزواج وعدم معرفتهما بالقوانين والأنظمة التي ترعاه، فتنخر في جسم الأسرة كل أنواع المنغصات والخصومات والمشقات ليدفع ثمنها في كل مرة الأولاد.
يغيب عن نظرهم وعن نظر أكثرية المقدمين على الزواج بأن عقود زواجهم هي من أهم وأخطر العقود التي يقدمون عليها في حياتهم، الى حد تسمية القرآن له بكونه «ميثاقا غليظا»، ورغم ذلك فإن بعضهم لا يقيم وزنا ولا أدنى قيمة لهذه العقود، فيلتجأون الى التحايل على الشرع للإضرار بحقوق الزوجة المعقود عليها، أو تهرّباً من المعاملات الإدارية لإجراء عقود الزواج، أو بسبب العادات المتوارثة من قديم الزمان، ويجرون عقود زواجهم عند متمشيخين أو مدّعين المشيخة والتديّن، أو الى رجال دين من طوائف أخرى، دون الحصول على إفادة تثبت زواجهم.
الخلافات الزوجية تبتدأ وتتمدد وتستعرّ حين يجهل كلا الزوجين بطريقة تفكير واستيعاب كل منهما للآخر. للرجل والمرأة من الناحية البيولوجية خصائص في التفكير لا تتشابه ولا تتطابق في كثير من المجالات، فمن الخطأ التعامل بينهما كتعامل جنسين متماثلين. يكون من الصواب أن تبتدأ الدورات التدريبية للمقدمين على الزواج من هذه الثوابت العلمية. إضافة الى ضرورة إحاطة الزوجين بأن الزواج ليس نزهة وسعادة وهدوء دائماً، بل هو في كثير من الأحيان أشغال شاقة وسلوك طرق مليئة بالمخاطر والمطبات مع التنبيه الدائم الى الإنزلاقات والتردّي الى المنحدرات.
قد نتساءل بدهشة دون أن نحاط بالأجوبة المقنعة عن سبب عدم اطّلاع الزوجين على حقوقهما الزوجية وعلى القوانين مرعية الإجراء لتنظيم حياتهما الأسرية وحل خلافاتهما في حال ظهورها. في حين قد يعطي أحد الزوجين أو كلاهما الأهمية القصوى لإنشاء شركات عقود التجارة مثلاً وهي عقود مالية تنتهي بفض الشراكة وانحلالها وانتقال الأملاك وفق ما هو مقرر في عقد الشراكة، ولا ينتج عنها مفاعيل مستدامة، كما في عقود الزواج من حيث وجود أولاد وتربيتهم والإعتناء بهم في جميع مراحل حياتهم.
كما أنه من الملاحظ حين تنتهي فرص المصالحة ويكون فض عرى الزواج هو الأمثل، تبتدأ مساومات الزوج في إبراء زوجته من حقوقه المالية، وينجح بها بسبب جهل الزوجة بحقوقها في المهر ولنفقة العدّة وأجرة الحضانة، وإمكانية الادّعاء عليه بدعوى التفريق القضائي، أو بسبب وقوعها في الوهم بأن إبرائها من مهرها وحقوقها يحفظ لها كرامتها وعنفوانها. تسيطر الأنانية من كلا الزوجين بعد ذلك للسيطرة على حضانة الأولاد معتقدين بأن لهما حقوقاً وليس واجبات، بينما المعتبر هو أن للأولاد حقوقاً وواجبات على والدتهم بحضانتهم وحقوقاً وواجبات بالإنفاق والرعاية على والدهم بصفته الولي الجبري عليهم.
تبقى كثير من الخلافات الزوجية عالقة بين تعنّت أحد الزوجين وبين محدودية القوانين في إيجاد الحلول التي يرضى بها الطرفان معاً. ويبقى كلام ابن الوردي في لاميته محقاً حين يقول:
إنَّ نصفَ الناسِ أعداءٌ لمنْ
ولـيَ الأحكامَ هذا إن عَدَلْ


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 4 7 2022
احتجاج يتيم على سوء الخدمات في رأس النبع
احتجاج أميركي على المسيرات يفتح باب التشاور الرئاسي حول الملف [...]
الوزراء العرب في بيروت: فرصة ضائعة!