قال الله عز وجل في كتابه الكريم: {وما خلقت الانس والجن الا ليعبدون}، وليت البشر يتأملون هذه الآية العظيمة ويفهمون أن الغاية من خلق الانسان واستخلافه في الأرض هي عبادة الله تبارك وتعالى خالق الكون وتمجيده وتسبيحه.
بيد أن معظم الناس جهلوا هذه الحقيقة بل تجاهلوها، فتركوا عبادة الله عز وجل وانجرفوا في حياة العبث واللهو والمجون يشبعون شهواتهم وملذاتهم، ودأبوا على تكديس الأموال واستعمال الطرق الملتوية لجمعها وايداعها لدى المصارف، وضرب الأخماس للأسداس من أجل تنمية هذا المال وزيادته حتى ولو زاد عن حدّ الكفاف عشرات الأضعاف وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «اثنان لا يشبعان طالب علم وطالب مال».
اننا نرى الكثيرين من الأغنياء يتنافسون في ما بينهم على تسجيل الأرقام القياسية في جمع المال وتشييد العمارات والدور والقصور وهم في معظم الأحيان لا يتنعمون بأموالهم في حياتهم ولا يصرفونها على أنفسهم فتكون في النهاية من نصيب الورثة التي يتركونها هم أيضاً لورثتهم في ما بعد...
يقول الشاعر وما أصدق ما يقول:
اقنع من الدهر ما أتاك به
من قرّ عيناً بعيشه نفعَهْ!
قد يجمع المال غير آكله
ويأكل المال غير من جمعَهْ!
فالقناعة كنز لا يفنى، وجمع الحسنات والخيرات وأعمال المبرات خير ألف مرة من جمع الليرات والدولارات وتشييد العمارات، فالأولى هي الباقية وهي الذخر النافع ليوم القيامة، والثانية هي الزائلة، وهي لا تنفع صاحبها إلا في الدنيا حيث يكون خاسراً يوم القيامة...
قال الامام الشافعي رضي الله عنه:
إذا ما كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواءُ
ومن نزلت بساحته المنايافلا أرض تقيه ولا سماءُ
فالى متى يظل هاجس الانسان في هذه الحياة هو جمع المال من المهد إلى اللحد فحسب، ولا يتوانى عن قتل أخيه الانسان أو الاحتيال عليه من اجل كسب المال وتكديسه، وهو لا يأخذ منه فلساً واحداً إلى قبره تماماً كما قال الشاعر:
أموالنا لذوي الورّاث نجمعها
ودورنا لخراب الدهر نبنيها
متى يصحو الناس ويفكرون بالغاية التي خلقوا من أجلها وتحقيقها على أكمل وجه؟ ألا يفكر هؤلاء أن الحياة الدنيا قصيرة الأجل؟ ألا يتعظ هؤلاء بالموت الذي يحصد كل يوم عدداً كبيراً من الناس، فواحد يموت بالسكتة القلبية، والثاني بمرض السرطان، والثالث بحادث سير، ألا يتعظ هؤلاء حين يدخلون المقابر ويرون الأعداد الهائلة لسكانها، وهل هؤلاء قرأوا قول الشاعر:
ركوبك النعش يُنسيك الركوب على
ما كنت تركب من بغل ومن فرسِ
يوم القيامة لا مال ولا ولد
وضمة القبر تنسي ليلة العُرس
وعلى الناس كافة أن يتذكروا الآية الكريمة التي أوردناها في بداية الحديث {وما خلقت الانس والجن الا ليعبدون} وأن يعملوا بمضمون هذه الآية، علماً انها لا تتعارض مع ضرورة العمل وكسب المال للمعيشة كما أمر الاسلام ولكن القناعة واجبة.
قال الرسول عليه الصلاة والسلام: من أصبح آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
خليل برهومي