بيروت - لبنان 2021/12/07 م الموافق 1443/05/02 هـ

حين تصبح الدولة ألدّ أعداء الشعب فعلى «البلد» السلام وللمواطن الرحمة..؟!

حجم الخط

حين يقرأ أحدنا قول الله تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}، وقوله: {قد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}، يدرك جيدا أن الإنسان هو المخلوق الذي لا يجوز إهانته ولا إذلاله مهما كانت الظروف، وخاصة في أموره الحياتية الأساسية التي كفلها الشرع الحنيف لكل إنسان مهما كان دينه أو عرقه أو جنسه..

ويدرك أكثر وأكثر أن أي نظاما في العالم لا يحترم شعبه ولا يعمل له ولا يقدّم ما هو من صميم مسؤولياته فإن هذه الدولة حينها تكتب بيدها نهايتها المحتومة والتي لا مناص منها، ولذلك قال الله تعالى في عقاب فرعون الذي طغى في البلاد ولم يرتدع عن الظلم: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُم مِّنَ المَقْبُوحِينَ}.

ومن هنا نقول...

إن الحياة التي يعيشها كل مواطن في لبنان لم تعد عيشة «آدمية»، ولا بد من البدء بالتغيير الإيجابي الفوري بكل الطرق المتاحة التي تسمح بإعادة الإنسانية إلى هذا الشعب الذي بات يعاني الأمرّين..؟!

فنحن اليوم نعيش كارثة إنسانية بكل المقاييس، وهي لن تتوقف ذاتيا بل حتى يعمل المتضررون منها بكل قوة لإيقافها، لا سيما أنها قد سرّبت خبثها في نفوس الكثيرين حتى أصبح في وجدانهم أن كل تغيير إيحابي هو من عمل الشيطان، وأن كل تحويل مثمر ينادي به إنسان هو رجس، وفي الوقت عينه كل تابع لزعيم أو مسؤول هو صاحب فضيلة كريمة وصاحب الوطنية الكبيرة..؟!

وللأسف إن العمل على تحقيق التغيير الذي طالبنا به الشرع الحنيف رفضا للظلم والفساد والمنكر، أصبح في بلادنا وفي قومنا - ويا للعجب - شيطنة مرفوضة ومحاربة ومنبوذة..؟!

ولكن اسمحوا لي...

هل تدركون مآسي الحياة في بلد المواطن فيها مُهان حتى يتبع زعيما أو ينقاد لمسؤول..؟!

وهل تدركون الكوارث التي يعيشها كل مواطن بسبب غياب الكهرباء وإنقطاع الماء وغلاء البنزين وندرة الدواء وتفشي الوباء..؟!

هل تتخيّلون معي ماذا يعني أن يرى الإنسان أمه أو أباه أو أحد أبنائه مريضا ثم لا يستطيع أن يشتري له دواء..؟!

وهل تعلمون ماذا يعني أن يعيش المواطن في بلاده التي تربّى فيها ونشأ على حبِّها، يعيش مذلولا مُهانا ليس لديه القدرة على إطعام أو كسوة أو معالجة إبنه..؟!

أنه الذلّ بعينه أيها السادة، وإنه القهر والظلم والفساد الذي تحكّم بمفاصل الدولة حتى باتت ألدّ أعداء المواطن المسكين..

الواجب على كل مواطن

وأمام هذه المشهدية «اللاإنسانية» يبقى السؤال مطروحا...

ما هو الواجب على كل مواطن لبناني حتى نبدأ فعليا ولا نظريا عملية التغيير الإيجابي..؟!

أولا.. إعلاء راية الانتماء للبنان.. وفقط للبنان، هذا البلد الذي يعيش فيه أكثرية أبنائه وينعمون بخيراته بينما ولاؤهم وانتماؤهم لغيره..

ثانيا.. نبذ كل تعصّب أو تطرّف أو مناطقية تتعارض وبناء مجتمع صحيح يقوم بواجباته كما ينبغي ولا يقدّم أي مصلحة فوق مصلحة البلاد العليا..

ثالثا... أن نحقق تمام اليقين أن الدين أو المذهب ليس عائقا أمام حسن الانتماء للبلد، فإن الإسلام يدعو لحب الوطن وللدفاع عنه ولخدمته، ولذلك هو يعتبر كل من مات فداء عن وطنه شهيدا، وبالتالي لا تعارض أبدا بين الالتزام الديني وبين الوطنية، بل كلاهما يكمل الآخر، إذ من لم ينتمِ لوطنه لم يحقق مراد الدين في بلده، ومن لم يلتزم بدينه لم يدرك مكانة الوطن في نفسه.

رابعا.. أن يكون مجموع الشعب المؤثّر الأول في مسار التغيير الإيجابي للبلاد، لا أن يكون متأثّرا بفلان أو علّان من المسؤولين الذين أثبتوا فشلهم وأكدوا في أكثر من موقف أنهم لا يعملون إلا لمصالحهم الضيقة والخاصة.

دور الدعاة

ويبقى هنا السؤال الأكثر تداولا... ما هو دور الدعاة ورجال الدين في هذا الموضوع...؟

دور الدعاة كبير جدا جدا، وواجب كل واحد منهم أن يكون مع الشعب وبينهم وفي صفوفهم، يبارك خطواتهم ويشدّ على أيديهم ويساعدهم بكل قدراته، وأيضا ينصحهم كأخوة له ومنه.. لا كمنظّرٍ عليهم..؟!

دوره أن يبرهن للناس جميعا أن الداعية هو مع الحق ينصره ويدافع عنه.. لا فقط يتكلم عنه..؟!

وأن يكون في أول الصفوف مؤيّداً لمطالبهم الإنسانية النبيلة... لا أن نقول لهم طالبوا بها ونحن متقاعسون في بيوتنا..؟!

ودوره أيضا أن يشاركهم.. وأن نضع أيدينا بأيديهم... حتى نمنع أي تشويه أو أذى عنهم..؟!

نعم أيها السادة الكرام.. على كل داعية في بلادنا أن يرتقي إلى مستوى الحق الذي كلّفنا الله تعالى به فقال {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}.. ولما كان الحق صعبا على نفوس كثيرة ويحرّضها لمعاداة كل من يعمل به، قال تعالى {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} فكان الصبر على ما نلقاه بسبب الحق واجبا أيضا..؟!

يا كل داعية في بلادي.. إن لن تعمل بالحق وتتحلّى بالصبر لنصرة هذا الحق، فما هو دورنا..؟!

اخرج من عباءة كل قيد طوّقت نفسك به..؟!

واخلع عن نفسك تلك التبعية المقيتة التي كتمت صوت الحق..؟!

اكفر بكل ظالم وفاسد أيّا من كان... وآمن فقط بالحق الذي أمرت به..؟!

وبعد الإيمان أعملْ وإسعَ لتكون من الذي عملوا الصالحات...؟!

نعم... إن الوقت اليوم ليس وقت تنظير.. ولا وقت كلام خطابي... ولا وقت شعارات مللنا سماعها.... بل هو وقت الوقوف مع الحق مهما كلّف الأمر...؟!

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الخلق عيال الله.. وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله).. فمتى نسير على هدي رسولنا لنكون فعلاً من النافعين لأهلنا وبلادنا...

أم يا ترى سنكتب بأيدينا أننا كدعاة ارتدينا عمائم.. لم نكن أبدا من أهلها..؟!




أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 7-12-2021
لبنان يبدأ خطوات تحمي السعودية: ضبط المعابر ومنع التهريب
دمعة معالي الدكتور إلياس سابا