بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 آب 2021 12:00ص ذكرى الهجرة النبوية الشريفة

حجم الخط
الشيخ د. يوسف جمعة سلامة*

لقد كانت الهجرة النبوية الحدث الأهمّ في التاريخ الإسلامي؛ نظراً لأهدافها السامية وأبعادها الرشيدة ونتائجها المشرقة التي يستحضرها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها مع مرور هذه الذكرى المجيدة في كل عام، فقد أحبّ رسولنا  صلى الله عليه وسلم وطنه ومسقط رأسه مكة المكرمة، وعلَّمنا - عليه الصلاة والسلام - حبّ بلادنا المباركة فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك ووجوب المحافظة عليها، فالهجرة النبوية لم تكن هجراً للأوطان، وإنما كانت تَمَسُّكاً بالدين وتمهيداً لإستعادة الأوطان، ولم تكن تَخَلِّياً عن المقدسات، وإنما كانت حافزاً للمحافظة على المقدسات، ومن هذه الذكرى الإيمانية المباركة نستلهم بعض العِبَرِ والعظات، ومنها:

الثقة بالله سبحانه وتعالى

لقد سبقت الهجرة مواقف عديدة تَحَمَّل فيها رسولنا  صلى الله عليه وسلم والمسلمون عَنَتَ قريش وضراوتها، وكان - عليه الصلاة والسلام - يتطلّع إلى السماء وأخذ يُنَاجي ربَّه راجياً عفوه ورحمته، وقد حَقَّق الله دعوة نبيه - عليه الصلاة والسلام -، فكانت بيعتا العقبة الأولى والثانية التي جعلت للمسلمين داراً وأخوة في يثرب (المدينة)، تجمعهم عقيدة التوحيد والإيمان بالله ورسوله.

وهناك أيضا: ثقة الحبيب - صلى الله عليه وسلم- بالله عزّ وجلّ، فعندما بدأ أبو بكر - رضي الله عنه - يقلق ويشعر بالوَجَل كان يقول: (يا رسول الله لو نظر أحدهم بين قدميه لرآنا)، عند ذلك كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يُسَكِّن روعه وَيُبَدِّد قَلَقَهُ، قائلاً له: (مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا، لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، وفي ذلك تنبيه للمسلمين بضرورة الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في كل أمورهم، فعلينا أن نتوكل على الله عزَّ وجلَّ دائماً، وأن نكون على ثقة ويقين بنصره سبحانه وتعالى.

درس التفاؤل والأمل

إننا نتعلم من ذكرى الهجرة النبوية درس التفاؤل والأمل، فهذا سُراقة بن مالك يلحق بالنبي  صلى الله عليه وسلم؛ ليظفر بجائزة قريش مائة من الإبل لمن يأتي برسول الله  صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً، وعندما لحق سراقة بالنبي - عليه الصلاة والسلام -، دعا عليه - صلى الله عليه وسلم- فساخت أقدام فرسه في رمال الصحراء، ثم قال له  صلى الله عليه وسلم: «كيف بك يا سُراقة إذا لبستَ سواري كسرى؟!»، وفعلاً عاد سراقة، ما الذي دفع الرسول  صلى الله عليه وسلم إلى هذا القول؟، إنه الإيمان بالله سبحانه وتعالى وثقته بنصره عزَّ وجلَّ له وللمؤمنين، وَقد نَفَّذَ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عهدَ الرسول  صلى الله عليه وسلم، وأعطى سُراقة سواري كسرى عندما فتح المسلمون بلاد فارس، فعلينا أن نكون دائماً على يقين بنصر الله سبحانه وتعالى، متفائلين مهما اشتدّت الخطوب، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإنّ الفجر لآتٍ بإذن الله سبحانه وتعالى.

المؤاخاة في المدينة

من المعلوم أن رسولنا - عليه الصلاة والسلام - قد آخى بين الأنصار - وهم أهل المدينة - وبين المهاجرين - وهم أهل مكة - فأصبحوا بفضل الله سبحانه وتعالى أخوة متحابين، وبعد ذلك وفّقهم الله سبحانه وتعالى لفتح البلاد وأصبحوا قادة للأمم ومضرباً للمثل في جميع مجالات الحياة.

فعلينا جميعاً أن نتأسَّى بهذا الدرس العظيم، وهو درس المؤاخاة بين المسلمين والوحدة بين أبناء الأمة العربية والإسلامية، فنحن أمة تجمعها روابط إيمانية كثيرة، إلهنا واحد، وكتابنا واحد، وديننا واحد، ورسولنا واحد، وتاريخنا واحد، لماذا لا نكون على قلب رجل واحد؟! عملاً بقوله سبحانه وتعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً}، وقوله  صلى الله عليه وسلم: ‏(‏مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا ‏اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى).

حنين الرسول إلى مكة

هاجر الرسول الكريم  صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى يثرب، وعلَّم الدنيا كلها حب الأوطان والأماكن المباركة والوفاء لمسقط الرأس عندما ألقى نظرة الوداع على مكة المكرمة وهو مُهَاجِرٌ منها، وقال كلمته الخالدة: ‏(وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)، وكان فراق مكة عزيزاً على الرسول  صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام - رضي الله عنهم أجمعين - كما ذكرت ذلك كتب السيرة، فهذا واحد منهم اسمه أصيل جلس يتكلم عن مكة فقال له النبي  صلى الله عليه وسلم: (يا أصيل دع القلوب تقرّ فلا تذكرنا).

أجل فما من الوطن بُدّ، وما للإنسان عنه من منصرف أو غنى، في ظله يأتلف الناس، وعلى أرضه يعيش الفكر، وفي حماه تتجمع أسباب الحياة، وما من ريب أن ائتلاف الناس هو الأصل، وسيادة العقل فيهم هي الغاية، ووفرة أسباب العيش هو القصد مما يسعون ويكدحون، ولكنّ الوطن هو المهد الذي يترعرع فيه ذلك كله، كالأرض هي المنبت الذي لا بُدّ منه للقوت والزرع والثمار.

فضل صيام عاشوراء

في هذا الشهر الكريم يوجد يومٌ عظيمٌ من أيام الله وهو أعظم أيام هذا الشهر، ألا وهو يوم عاشوراء، فعن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: (... وصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ).

ومِمَّا يدل على فضل صيامه ما روى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: (مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي: شَهْرَ رَمَضَانَ).

قال الإمام ابن القيم في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد): (فمراتب صومه ثلاثة، أكملها: أن يُصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك: أن يُصَام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم).

فهناك من يصوم التاسع والعاشر لما ورد عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: (حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ)، قَالَ: (فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-).



* خطيب المسجد الأقصى