كأنّ الله، حين نظرَ إلى هذا الوطنِ الصغير، ابتسم...
وقال: هنا سأزرع لقاءً لا خصاماً، صلاةً لا صراعاً، وصوماً يلتقي بصيامٍ، وقلباً يعرف طريقه إلى قلبٍ آخر.
كأنّه قرّر أن يجعلَ من لبنانَ موعداً دائماً بين السماء والأرض، وجسراً بين المآذن والأجراس، ومساحةً للرحمة حين يضيقُ العالم.
هو قدرُ هذا الوطن، أن تتلاقى فيه الصلواتُ، وأن تتعانقَ الأصواتُ، حتى لو اختلفت الآياتُ، ولو صلّى كلٌّ بطريقته، ولامست الكلماتُ جدرانَ البيوت بلهجاتٍ مختلفةٍ، إلّا أنّ الله واحدٌ ورسالتَنا واحدةٌ، وقلوبَنا مشتركةْ.
في هذا الوطن، يتّحِدُ الصومُ الكبير مع الصّيامِ المبارك، كأنّ القلوبَ فهمت سرَّ الوحدة قبل الكلمات.
وطنٌ، فاخرَ رئيسُ الجمهورية العماد جوزاف عون بفرادتِه الطائفيةِ أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قائلاً: «في منطقةٍ يُقتلُ فيها الناس، أو يَقتلون، بسببِ معتقدِهم الديني، أو حتى بسببِ رمزٍ إيمانيٍ يحملونه أو يرتدونه... وفي عالمٍ قلقٍ، عالقٍ بين من يريدُ فرضَ هذا المظهرِ الديني، وبين من يريدُ حظرَه... يظهرُ لبنانُ نموذجاً فريداً لا مثيلَ له ولا بديلَ عنه، نموذجٌ يستحقُ الحياة. لا بل هو واجبُ الوجود، من أجل منطقتِه ومن أجل العالمِ كلّه».
وطنٌ قال عنه البابا يوحنا بولس الثاني: «لبنانُ أكثرُ من وطن، إنه رسالةُ حريةٍ ونموذجٌ للعيش معاً»، رسالةٌ لم تُكتب بالحبر، بل بالإيمان بإنسانه.
لبنانُ الذي نادى فيه الإمام السيد موسى الصدر بالعيشِ الواحد، وبالوطنِ الذي يتّسع للجميع بلا خوف ولا إقصاء.
«لبنان إن حكى، الدنيا بتسمع» على حد قول سعيد عقل.
ولم يكن حبُّ لبنان حكراً علينا، فقد أحبّه ألفونس دو لا مارتين حين رأى في أرزه قصيدةً تمشي على الأرض..
وأحبّه نزار قباني حين ناداه: «يا ستّ الدنيا»، فرآه عاصمةً للقلوب؛
وتغنّى به الجنرال شارل ديغول قائلاً: «في قلب كلّ فرنسيٍّ جديرٍ بهذا الإسم، تهف نبضةٌ خاصّةٌ ما ان يسمع باسم لبنان».
أحبّه الغرباء والزائرون والعابرون، وحفظوه في ذاكرتهم كنورٍ على شاطئ المتوسط.
وأمّا نحن... كم مرّةً خذلناه؟ كم مرّةً كسرناه بأيدينا؟ كم مرّةً قدّمنا القريبَ قرباناً للبعيد؟ وكم مرّةً فضّلنا الرايةَ على الإنسان، والشعارَ على الوطن؟
مع ذلك، لا يزال لبنانُ يصلّي ولو بقلبٍ مجروحٍ، لا يزال لبنانُ يعانق قلوبَ أبنائه... قلبُ محمد يناجي قلبَ إلياس، وتلتقي الأرواحُ قبل الأسماء، وتقصد الأمهاتُ، كلُّ الأمهات، من كل منطقةٍ وطائفةٍ ودينٍ، ديرَ القديس مار شربل، كحضنِ أمٍّ للجميع، حاملاتٍ، وجعهنّ، وصلواتهنّ، ورجائهن.
هنا، نستذكر ميلاداً واحداً: ميلاد المسيح، هو عيسى في القرآن الكريم، ويسوع في الإنجيل المقدّس.
ميلادٌ واحدٌ لرسالةٍ واحدةٍ، تكون وعداً لا موسماً، وموقفاً لا شعاراً، وثورةً هادئة على الكراهية والإنقسام، لأنّ لبنان لا يعيش بالطوائف، بل بالقلوب التي تتّسع للجميع، ولا يُنقَذُ بالشعارات، بل بالمحبّة الصادقة، وبالإيمان أن وحدتنا هي خلاصنا الوحيد.
هذا العام، سيجولُ المسحّراتي في الشوارع، يقرعُ الطّبولَ ويصيحُ:
«يا نايم... وحّد الدايم!»
صيامُنا توحّد، وقلوبُنا واحدةٌ،
والدائمُ، العيشُ المشترك... دائماً وأبداً!
«صوموا تصحّوا»
صَوِّموا اللسانَ لِيصحُوَ الضميرُ، ويصحَّ الإنسانُ...
صيام مبارك ورمضان كريم.