تهفو قلوب المسلمين إلى زيارة المسجد النبوي لما له من الفضل والثواب، ويُستحب لزائريه فعل عدد من العبادات، وتجنّب عدد من الأمور.
يقول المستشار في الديوان الملكي عضو هيئة كبار العلماء الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد المطلق في تصريح لوكالة الأنباء السعودية: على زائر المدينة المنورة استحضار النيَّة الصادقة ابتغاء وجه الله تعالى، واستحضار أنه يزور خير بقاع الأرض بعد مكة المكرَّمة مدينةَ رسول الله صلى االله عليه وسلم، وبها مسجده النبويُّ الذي بلغ من فضله أن كان ثاني خير بيت من بيوت الله تعالى على وجه الأرض بعد بيت الله الحرام الذي بمكة، وأنَّه ثاني ثلاثة مساجد لا يجوز شدُّ الرِّحال إلّا إليها. قال رسول الله صلى االله عليه وسلم: (لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) متفق عليه، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: (إنَّ خير ما رُكبت إليه الرواحل: مسجدي هذا، والبيت العتيق).
وعلى الزائر أن يعلم أنَّ من عظمة وفضل المسجد النَّبوي في الإسلام أنَّ الصلاة فيه تعدل ألف صلاة، كما ورد عن النبي صلى االله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهم، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلّا المسجد الحرام» متفق عليه. فيستحب للزَّائر أن يغتنم فضيلة الصلاة في المسجد النبويِّ، ويستكثر من الصلاة فيه.
ويستحبُّ لزائر المدينة المنورة العزم على التوبة من ذنوبه، والإكثار من الاستغفار قبل أن يقصدها؛ لئلا تكون عائقة له عن التقرّب إلى الله تعالى، ويذوق حلاوة مناجاته في هذه البقعة الطاهرة، قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:14].
ويتابع الشيخ المطلق، من يزور المسجد النبوي بنيّة العبادة والتقرّب إلى الله عزّ وجلّ، سيجد حظًّا من الطمأنينة والسكينة، والتقوى بقدر نيَّته وعبادته، وفي كل خطوة يخطوها نحو المسجد النبوي تُضاعف فيها الحسنات، وتُمحَى السيئات، ويشعر المسلم ببركة المكان الطاهر وروحانيّته.
آداب مستحبة
ومن الأمور التي يستحب فعلها عند زيارة المدينة لمنورة أن يعظِّم شأنها، ويعرف قدرها، ويراعي حرمتَها، ويتأدّب فيها بأحسن الآداب، فإن ذلك من علامات التقوى، قال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]، وقال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج:30].
ومن تعظيمها: الالتزام داخل المسجد النَّبويِّ بالآداب العامَّة، والمحافظة على الهدوء والسكينة، وتجنب الانشغال بالهواتف وترك التصوير، والتركيز على العبادة والذكر، وعدم إزعاج الآخرين أثناء العبادة بالأصوات أو التخطِّي أو التصوير، والتَّعاون مع الجهات التنظيميَّة في المسجد، إلى جانب تجنُّب أذية المسلمين، أو الإضرار بهم. قال النبي صلى االله عليه وسلم: «المدينة حرم ما بين عَيْرٍ إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً، أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل» رواه البخاري ومسلم، واللفظ له.
وعلى المسلم الزائر للمدينة النبويَّة الالتزام بسنَّة النبي صلى االله عليه وسلم، وتجنُّب البدع والخرافات، وكل ما يخالف الدِّين والعقيدة من المنكرات والشركيَّات، ولا يجوز التبرُّك بشيء من أجزاء المسجد النبويِّ، ولا التمسُّح به، كالأعمدة، أو الجدران، أو الأبواب، أو المحاريب، أو المنبر، ولا تقبيلها، ولا يتحرَّى الدُّعاء عند قبر النبي صلى االله عليه وسلم؛ فهذا لا يجوز، بل عليه - بعد السلام على النبي صلى االله عليه وسلم وصاحبيه - أن ينصرف عن الحجرة النبويَّة إذا أراد أن يدعو ويستقبل القبلة.
ويستحب للزَّائر عند دخول المسجد النبويِّ أن يدخل المسجد بسكينة ووقار، متمثلاً بأخلاق النبي صلى االله عليه وسلم، وأن يقدِّم رجله اليمنى، ويقول: «بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، الَّلهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك»، كما يستحب له صلاة ركعتين تحيَّة المسجد.
ويسنُّ للزَّائر صلاة ركعتين أو ما شاء في الروضة الشريفة، لما لها من فضل عظيم، دون أن يتخطَّى الرِّقاب أو يؤذي الناس بالمزاحمة والمدافعة وقد قال النبي صلى االله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» رواه البخاري ومسلم.
والإكثار من الدعاء والتضرُّع للّه تعالى من الأمور المستحب فعلها في المسجد النبوي؛ لأنه من الأماكن التي يُستجاب فيها الدعاء، خصوصاً إذا كان في الروضة الشريفة، التي هي جزء من الجنة، إلى جانب الإكثار من الذكر وقراءة القرآن في المسجد النبويِّ، ففيه تتضاعف الأجور، ويشعر المسلم بطمأنينة وسكينة.
ومن الأعمال المستحبة السَّلام على الحبيب المصطفى صلى االله عليه وسلم وصاحبيه، فيبدأ بالنبيِّ صلى االله عليه وسلم، ويقول: «السَّلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أنَّك قد بلَّغت الرِّسالة، وأدَّيت الأمانة، ونصحت لأمَّتك، وقضيتَ الذي عليك، وجاهدتَ في الله حقَّ الجهاد، حتَّى أتاك اليقين»، ثم يسلِّم على أبي بكر رضي الله عنه، ويقول: «السَّلام عليك يا أبا بكر الصديق ورحمة الله وبركاته»، ثمَّ يسلِّم على عمر رضي الله عنه، ويقول: «السَّلام عليك يا عمر الفاروق ورحمة الله وبركاته».
وإذا تيسَّر للزَّائر البقاء مدةً في المدينة المنورة، فيمكنه الاعتكاف بعض الوقت في المسجد النبويِّ؛ تفرُّغاً للعبادة، كما يسنُّ لزائر المدينة زيارة مسجد قباء للصلاة فيه؛ اقتداءً بالرسول صلى االله عليه وسلم وطمعاً في تحصيل أجر عمرة، فعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى االله عليه وسلم: «من خرج حتى يأتي هذا المسجد - يعني مسجد قباء - فيصلي فيه؛ كان كعدل عمرة» أخرجه أحمد، والنَّسائي، وصحَّحه الألباني.
ويشرَع لمن أراد (من الرِّجال) زيارة قبور الصحابة رضوان الله عليهم في البقيع وشهداء أُحُد للسلام عليهم والدُّعاء لهم، دون أن يقع في محظور شرعيٍّ أو عقدي من البدع والشركيَّات، فعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى االله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا المقابر، يقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» رواه مسلم.