د. محمد قاسم المنسي*
من قوانين الله تعالى في البشر التدافع فيما بينهم، على هذا دلّ القرآن الكريم في قوله تعالى {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}، ودلّ عليه أيضا التاريخ الإنساني في سجله الكبير الذي حوى مراحل الصراع أو التدافع بين الناس.
والحق الذي نعنيه هنا ما هو ثابت وصحيح وواجب فعله أو بقاؤه من اعتقاد أو قول أو فعل بحكم الشرع، أما الباطل فهو نقيض الحق أي ما لا ثبات له ولا اعتبار ولا يوصف بالصحة ويجب تركه ويستوجب مقاومته وإزالته وكل ذلك بحكم الشرع.
أما التدافع بين الحق والباطل فالمراد به هو التدافع والتعارض والتنافس بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل؛ أي بين المؤمنين بالله وغيرهم. وكل فريق من الفريقين يسعى إلى فرض كلمته وحكمه وإقامة شؤون الحياة على أساس التصوّر الذي اختاره، ويستخدم في ذلك كل ما يمتلكه من أدوات القوة لتحقيق الغلبة لنفسه ولما يعتقده ويؤمن به.
ولا شك أن التدافع بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل أمر حتمي لا بد منه؛ لأن طبيعة كل منهما مناقضة للآخر، فهما نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان، ولأن وجود أحدهما يستلزم مزاحمة الآخر له، والسعي إلى إزالته ومحوه، أو على الأقل إضعاف شأنه حتى لا يكون له تأثير في واقع الحياة والناس.
ومن هنا يتبيّن أن التصور بأن يعيش الحق والباطل في سلام دائم تصوّر مخالف للحقيقة والواقع؛ لأن كل واحد من الفريقين يدافع وينتصر لما يعتقده ويعدّ لذلك كل الوسائل والأسباب التي توصله إلى غايته.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ما يقوم به أصحاب الباطل للدفاع عن باطلهم وذلك في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}، وقوله تعالى {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ}، وقوله تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}.
كما أشار القرآن الكريم أيضا إلى ضرورة أن يكون للحق قوة واستعداد لمواجهة الباطل، وذلك في قوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ..}.
وطبقا لهذا القانون، فإن سنّة الله في شأن التدافع بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل هي أن تكون الغلبة للحق وأهله، وأن يكون المحق والزوال للباطل وأهله، وذلك لقوله تعالى {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}، وقوله تعالى {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}، وقوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}.
حقائق مهمة
قال ابن كثير في تفسيرها: أي هذه سنّة الله تعالى وعادته في خلقه: (ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإيمان على الكفر فرفع الحق ووضع الباطل)، إن القراءة المتأنية لهذا القانون من قوانين الله تكشف أمامنا عدداً من الحقائق المهمة:
أولاً: أن فكرة الصراع أو التدافع جزء من طبيعة الحياة وهذا ما يفرض على أصحاب العقائد والأديان أن يتعاونوا ويتقاربوا للدفاع عن الحق في مواجهة الباطل.
ثانياً: أن نتيجة الصراع محسومة لصالح المؤمنين الذين يأخذون بأسباب النصر والاستعداد الجيد.
ثالثاً :إن ظهور الباطل وعلو شأنه لا يكون أبدياً وإنما هو مرحلي أي أن هذا الظهور مرحلة من مراحل الصراع، وليس نهاية الأمر وهذا من شأنه أن يمنح المؤمنين الأمل في نصر الله والقدرة على الصبر والثبات.
رابعاً: إن النصر ليس متوقفاً على العدّة والعتاد وإنما على إرادة الله التي تمنح النصر لمن يأخذ بأسبابه حتى ولو كانت أسبابه ضعيفة تحقيقاً لقوله تعالى {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
* أستاذ الشريعة بدار العلوم - جامعة القاهرة
من قوانين الله تعالى في البشر التدافع فيما بينهم، على هذا دلّ القرآن الكريم في قوله تعالى {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}، ودلّ عليه أيضا التاريخ الإنساني في سجله الكبير الذي حوى مراحل الصراع أو التدافع بين الناس.
والحق الذي نعنيه هنا ما هو ثابت وصحيح وواجب فعله أو بقاؤه من اعتقاد أو قول أو فعل بحكم الشرع، أما الباطل فهو نقيض الحق أي ما لا ثبات له ولا اعتبار ولا يوصف بالصحة ويجب تركه ويستوجب مقاومته وإزالته وكل ذلك بحكم الشرع.
أما التدافع بين الحق والباطل فالمراد به هو التدافع والتعارض والتنافس بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل؛ أي بين المؤمنين بالله وغيرهم. وكل فريق من الفريقين يسعى إلى فرض كلمته وحكمه وإقامة شؤون الحياة على أساس التصوّر الذي اختاره، ويستخدم في ذلك كل ما يمتلكه من أدوات القوة لتحقيق الغلبة لنفسه ولما يعتقده ويؤمن به.
ولا شك أن التدافع بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل أمر حتمي لا بد منه؛ لأن طبيعة كل منهما مناقضة للآخر، فهما نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان، ولأن وجود أحدهما يستلزم مزاحمة الآخر له، والسعي إلى إزالته ومحوه، أو على الأقل إضعاف شأنه حتى لا يكون له تأثير في واقع الحياة والناس.
ومن هنا يتبيّن أن التصور بأن يعيش الحق والباطل في سلام دائم تصوّر مخالف للحقيقة والواقع؛ لأن كل واحد من الفريقين يدافع وينتصر لما يعتقده ويعدّ لذلك كل الوسائل والأسباب التي توصله إلى غايته.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ما يقوم به أصحاب الباطل للدفاع عن باطلهم وذلك في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}، وقوله تعالى {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ}، وقوله تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}.
كما أشار القرآن الكريم أيضا إلى ضرورة أن يكون للحق قوة واستعداد لمواجهة الباطل، وذلك في قوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ..}.
وطبقا لهذا القانون، فإن سنّة الله في شأن التدافع بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل هي أن تكون الغلبة للحق وأهله، وأن يكون المحق والزوال للباطل وأهله، وذلك لقوله تعالى {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}، وقوله تعالى {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}، وقوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}.
حقائق مهمة
قال ابن كثير في تفسيرها: أي هذه سنّة الله تعالى وعادته في خلقه: (ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإيمان على الكفر فرفع الحق ووضع الباطل)، إن القراءة المتأنية لهذا القانون من قوانين الله تكشف أمامنا عدداً من الحقائق المهمة:
أولاً: أن فكرة الصراع أو التدافع جزء من طبيعة الحياة وهذا ما يفرض على أصحاب العقائد والأديان أن يتعاونوا ويتقاربوا للدفاع عن الحق في مواجهة الباطل.
ثانياً: أن نتيجة الصراع محسومة لصالح المؤمنين الذين يأخذون بأسباب النصر والاستعداد الجيد.
ثالثاً :إن ظهور الباطل وعلو شأنه لا يكون أبدياً وإنما هو مرحلي أي أن هذا الظهور مرحلة من مراحل الصراع، وليس نهاية الأمر وهذا من شأنه أن يمنح المؤمنين الأمل في نصر الله والقدرة على الصبر والثبات.
رابعاً: إن النصر ليس متوقفاً على العدّة والعتاد وإنما على إرادة الله التي تمنح النصر لمن يأخذ بأسبابه حتى ولو كانت أسبابه ضعيفة تحقيقاً لقوله تعالى {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
* أستاذ الشريعة بدار العلوم - جامعة القاهرة