1 شباط 2019 12:05ص قصَّة النّبيّ داوود (ع) مع القضاء نحن أحوج ما نكون إلى استحضار هذا المنهج لمعالجة واقعنا

حجم الخط
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إلى سَوَاءِ الصِّرَاطِ}. صدق الله العظيم.
هذه واحدة من القصص القرآنيّة التي تتعلَّق بنبيّ من أنبياء الله وهو داوود عليه السلام، الذي آتاه الله الحكم والنبوَّة، فقد كان نبيّاً وصاحب كتاب سماويّ، وكان ملكاً يدير شؤون مملكته، وفي الوقت نفسه، كان قاضياً يحكم بين النّاس.
وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: {وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}، وقوله: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}.

قصّة المتخاصمين
القصَّة التي وردت في القرآن في سورة «ص»، تتحدَّث عن حادثة حصلت مع هذا النّبيّ، يوم قرَّر أن يخلو بنفسه، وأن يتفرَّغ للعبادة، وطلب لذلك من حرَّاسه أن لا يُدخلوا عليه أحداً، ولكن، وبينما هو مستغرق يتعبَّد في محرابه، تفاجأ برجُلين لا يعرفهما يدخلان عليه المحراب فجأةً، بعد أن غافلا الحرس وقفزا من فوق السّور العالي المحيط بالبيت الّذي كان يسكنه داوود عليه السلام.. ففزع منهما كما أشار القرآن الكريم: {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إلى سَوَاءِ الصِّرَاطِ}.
وبعدما اتَّضح سبب حضورهما، وأنهما يريدان عرض خلافٍ حصل بينهما، أشار النبيّ داوود إليهما بعرض القضيَّة، فقال أحدهما: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ وقال أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}، أي أنّ أخي الذي يملك تسعاً وتسعين نعجةً، يصرّ عليّ أن أتنازل له عن نعجتي الوحيدة ليضمّها إلى نعاجه {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}، أي شدَّد الطلب حتى أحرجني، ولم أعد قادراً على ردِّ طلبه، وأنا جئت إليك لتعينني عليه وتنصفني.
الحكم المتسرّع
استثار هذا الكلام النبيَّ داوود عليه السلام، لذا سارع إلى التَّعاطف مع الشَّاكي، فيما أبدى انزعاجه وغضبه من الآخر، فهو بدل أن يكون عوناً لأخيه ويعطيه من نعاجه التسع والتّسعين، احتراماً لمشاعر الأخوَّة، يضغط عليه، ليأخذ منه نعجته الوحيدة التي لا يملك غيرها، أمر عجيب أن يحدث هذا! لذا التفت إلى الشّاكي، ونطق بالحكم: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِه}، وأضاف: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}.
وبهذا الكلام، أراد النبيّ داوود عليه السلام أن يخفِّف عن الرّجل، فقال له إنّ هذا ليس بجديد، فالكثير من الخلطاء الأخوة والأصدقاء والشركاء والجيران، يبغي بعضهم على بعض، ويظلم بعضهم بعضاً، فلا يراعون في تصرفاتهم العدالة وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، واعتبر هذا هو حال الأكثريّة من الناس، وطبعاً، استثنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
إذاً، جاء الحكم حاسماً من النبيّ داوود عليه السلام لصالح الشّاكي صاحب النّعجة الواحدة وإدانة الآخر. انفضّ المجلس، ورغم هذا الحكم ووضوحه، لم يصدر عن الأخ الآخر أيّ تبرير أو تفسير للطّلب غير المنطقي بضمّ نعجة أخيه إلى نعاجه، على الأقلّ ليدافع به أخلاقيّاً عن نفسه، ليحفظ ماء وجهه أمام النبيّ الّذي وضعه في خانة الباغين.
النّدم والاستغفار
غادر الأخوان المكان، ويبدو أنهما اقتنعا بكلام داوود عليه السلام، فيما بدأ داوود يراجع نفسه، وغرق في التفكير وهو يسترجع ما حصل، إلى أن أدرك أنّه تسرّع. كيف؟ انتبه إلى أنّه استمع إلى طرف دون آخر. يا لهذه السقطة!!!
أدرك بعدها النبيّ داوود عليه السلام أنّه لم يكن كافياً أن يعتمد على سكوت الآخر، على قاعدة أنّ السكوت علامة الرّضى، بل كان الأجدر به أن يستحثّه ليبدي رأيه، حتى ولو لم يكن ما سيقوله ليغيّر في مجريات الحكم، المهمّ أنّ النبيّ داوود لام نفسه، وهنا أدركته طبيعته وندم.
وينقل القرآن الكريم: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ}، ويُروى أنّ النّدم بلغ من داوود عليه السلام أنه قضى ما تجاوز الأربعين ليلةً في طلب الاستغفار على ما بدر منه، والله سبحانه وتعالى قابل استغفاره بالقبول والتّوبة: {فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ}.
وهنا نذكر، استطراداً، أنَّ ما صدر عن داوود عليه السلام من حكم، وثمَّ من استغفار وتوبة، لا يناقض عصمة الأنبياء التي نعتقدها، ولكن ننظر إليه من زاوية أنَّ معيار الشعور بالذّنب عند الأنبياء مختلف، فالأنبياء يشعرون بالذَّنب عندما يتركون الأَوْلى والأفضل والأكمل، وليس شعوراً بالذَّنب على معصية ــ مما لم يسمح به الله لهم ــ فميزانهم يتميَّز بحساسيَّة ودقَّة في تقييمهم لما يتوجَّب عليهم تجاه ربِّهم. هذا دأب الأنبياء، مثل آدم ويونس وغيرهما، ممن حدَّثنا القرآن الكريم عن استغفارهم.
لذا، بمجرَّد أن التفت داوود عليه السلام إلى أنه قصَّر، ولو في المقدِّمات أو في الشكليَّات، كما يُقال، لم يحتمل، بل ندم واستغفر الله وسجد له كلّ تلك المدّة.
عبر ودروس
ونعود إلى القصّة وما نستلهمه منها من عبر ودروس.
وسنركّز على ثلاث من هذه العبر:
أوّلاً: تأكيد المنهج الذي توجَّه به الله سبحانه وتعالى إلى داوود عليه السلام ليكون منهجاً يُعتمَد في القضاء والحكم: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ}، {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}. 
فالقاضي العادل ينبغي إذا حكم بين اثنين أو أكثر، أن يستمع إلى كلّ واحدٍ منهم، وأن يبقى على مسافة واحدة من الجميع، وأن لا يحابي أحداً حتى في توزيع النظرات واللّحظات ومنح الألقاب. وهذا ما ورد عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في توجيهه لأحد القضاة، عندما قال له: «إذا تقاضى إليك رجلان، فلا تقضي للأوَّل حتى تسمع كلام الآخر». وعن عليّ أنّه أوصى شريح القاضي: «وواسِ بين المتخاصمين بوجهك ومنطقك ومجلسك، وآس بينهم في اللَّحظة والنّظرة».
نحن اليوم، وكما نشاهد، أحوج ما نكون إلى استحضار هذا المنهج، لنعالج به واقع القضاء الذي باتت تتدخّل فيه المحسوبيّات والعلاقات والأهواء والمصالح والرّشاوى، وكم من هؤلاء ممن يقضون بين النّاس، يحتاجون أن يخرّوا ساجدين مستغفرين نادمين، ليس أربعين ليلةً فقط، بل كلّ الدّهر، اللّهمّ إلا من وعى منهم يوم الحساب وكان صاحب ضمير، ولا تخلو الأرض منهم.
وثانياً: استلهام المنهج الّذي توجَّه به الله سبحانه وتعالى إلى داوود عليه السلام ، وتطبيقه لا في القضاء فقط، بل في حياتنا اليوميَّة وعلاقاتنا عندما نحكم، فنقول الحقّ ولا شيء غير الحقّ، حتى لو كان النّطق بالحقّ مكلفاً ومخسراً. فعند الحكم على الأشخاص أو الجهات أو الأفكار، لا نصدر أحكاماً بوحي انفعال أو عصبيَّة أو مصلحة أو محاباة، بل لا بدَّ من أن نتأنّى وندقِّق، ولا نتبع في ذلك الهوى... فالهوى ستار سميك يباعد بين النّاس والحقّ، وخصوصاً إن تلبَّس بلباس المنطق والصَّواب، فإنَّه يوصل إلى الضَّلال، ولذا كان جزاؤه عذاباً شديداً.
وأخيراً؛ تعكس لنا قصّة الأخوين وخصامهما واقع الخلافات المستشرية، للأسف، بين الإخوة والأخوات في مجتمعنا، والتي باتت تؤدِّي إلى تباعدٍ مخيفٍ وقطيعة، يتحوَّلون معها إلى أعداء، والسّبب في أغلب الأحوال، هو الإرث أو التجارة أو المشاكل العائليّة بين الأولاد أو الزوجات أو الأزواج. أليس هذا واقعنا اليوميّ في مجتمعنا الذي نفترض أن يكون أكثر تماسكاً، وأكثر ألفةً وتواصلاً وإحقاقاً للحقّ وعدالته؟! أليس المجتمع الإيماني هو طريق لتحقيق العدالة ومنع التعدّي والبغي الموجود بين أفراده؟! {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
نحن واقعيّون، ولا ننكر الخلافات في الرأي والرغبات والإرادات، التي قد تحدث بين الإخوة والأخوات، ولكن كلّ المشكلة هي في التَّمادي وعدم الإسراع في علاجها، بحيث تتفاقم وتتعقَّد معها الحلول، كما في مشاكل الإرث التي غالباً ما تحصل بسبب النِّكايات أو التعصّب أو الجشع أو الإهمال، وتنتقل المشكلة إلى الأولاد، وتورَّث للأحفاد، ويتعذَّر معها الحلّ... أليس هذا هو واقعنا للأسف..؟!
نحن نعتبر أنَّ اللّجوء إلى الحكم الشّرعي ضروريّ لحلّ المشاكل إن وجدت، ومن دون تأخير. وحذار من تركها وإهمالها، ولكن الأهمّ هو الوقاية والتحصّن منها، باستحضار الإيمان وسلوك التَّقوى، وهو القائل: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ}.
إنَّ العلاقات الأخويَّة لا تقدَّر بثمن ولا بمال ولا بإرث، مهما كان كبيراً، المال يزول والأخوَّة تبقى، ووصيّة رسول الله هي البوصلة، وبها تستقيم كلّ الأمور: «أحبب لأخيك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها».