بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 نيسان 2021 12:00ص من نفحات شهر رمضان المبارك

حجم الخط
د. يوسف جمعة سلامة *


خرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: قال رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)، هذا حديث صحيح، أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان.

وها قد استقبل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها شهر الصيام المبارك، شهر القرآن الكريم، شهر رمضان الفضيل بأيامه ولياليه المُفْعَمة بالرَّوحانية في أجَلِّ معانيها وأسمى مقاصدها، من صيام بالنّهار وقيام بالليل وتلاوة للقرآن الكريم في تَبَتُّلٍ وخشوع، يُعظم الله فيه الأجر ويُجزل الثواب، ويفتح أبواب الخير فيه لكلِّ راغب، شهر الخيرات والبركات، شهر المِنَح والهبات، حيث كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام -رضي الله عنهم أجمعين- يُحيون أيامه ولياليه بالصيام والقيام وتلاوة القرآن وفعل الخيرات.

فما أحوج المسلمين في هذا الشهر الفضيل إلى اغتنام هذه الأيام المباركة، وشحذِ الهِمَم والعزائم، وإخلاص النّيَّات، والنَّدم على ما فات، وعقد العزم على فتح صفحة جديدة شعارها العمل الخالص من الرياء، حتى يتداركهم الله بفضله وَيُنزل عليهم نصره، ومن المعلوم أنّ الله سبحانه وتعالى يُضاعف الأجر والثواب في هذا الشهر المبارك، حيث أكرم الله سبحانه وتعالى المسلمين في هذا الشهر الفضيل بمنحٍ كثيرة لا حصرَ لها.

فضل شهر رمضان

شهر رمضان خيرٌ كلُّه، نهاره وليله، وأوله وأوسطه وآخره، فالمسلم في نهاره صائم وفي ليله قائم، ورمضان مجمع الفضائل، فقد جمع من الفضائل والخيرات ما لم يجمعه شهرٌ من الشهور، فهو سَيِّد الشهور، وقد اختصه الله سبحانه وتعالى بكثير من الفضائل، ويظهر ذلك من خلال الأحاديث الآتية:

- هو الشهر الذي أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، كما جاء في الحديث أنّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال:(... وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ).

- هو الشهر الذي أُنزل فيه القرآن هُدًى للناس وبيّنات من الهُدَى والفرقان، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.

- هو الشهر الذي فيه ليلة القدر التي وصفها الله تعالى بأنها خيرٌ من ألف شهر، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.

- هو الشهر الذي يُعْطَى فيه الصائم أجره بغير حساب، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: (قال الله: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ).

- هو الشهر الذي لا تُرَدُّ فيه دعوة الصائم، كما جاء في الحديث أنّ النبي  صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتُهم: الصَّائمُ حتى يُفْطرَ، والإمامُ العادلُ، ودعوةُ المظلومِ يَرفعُها اللهُ فوقَ الغَمامِ ويَفْتحُ لها أبوابَ السَّماءِ، ويقول الرَّبُّ: وَعِزَّتي لأنْصُرَنَّك ولو بَعْدَ حينٍ).

أُعطيت أمتي خمس خصال في رمضان

لقد خَصّ الله سبحانه وتعالى أمة نبيه محمد  صلى الله عليه وسلم مِنْ بين سائر الأمم بخمس خصال في شهر رمضان، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ، لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ، خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ الْمَلائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ الْمَئُونَةَ وَالأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلا يَخْلُصُوا فيه إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، وَيُغْفَرُ لَهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ).

وعند دراستنا لسيرة نبينا  صلى الله عليه وسلم، نجد أنّ من هديه - صلى الله عليه وسلم- في رمضان أنه كان يتسحَّر ويحثّ على السّحور؛ كما جاء في قوله - صلى الله عليه وسلم-: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً».

وسبب البركة أنه يُقَوِّي الصائم وَيُنشِّطه وَيُهوِّن عليه الصيام، ويتحقق بكثير الطعام و قليله ولو بجرعة ماء؛ لقول رسولنا  صلى الله عليه وسلم: «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ»، وبركة السّحور المراد بها البركة الشرعية والبركة البدنية، أما البركة الشرعية: فمنها امتثال أمر الرسول  صلى الله عليه وسلم والاقتداء به -عليه الصلاة والسلام- في أقواله وأفعاله كما ورد في الحديث السابق، وأما البركة البدنية: فمنها تغذية البدن وتقويته على الصوم، كما يُسْتحبّ تأخير السّحور، لما رُوي عن زيد بن ثابت قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً».

أهداف الصيام وفوائده

شهر رمضان هو شهر الصيام، ولشهر الصيام أهداف وثمرات طيبة، منها: أنه مُكَفِّرٌ للذنوب، لما رُوِي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : سمعتُ النَّبِيَّ  صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً)، ومن أهدافه أيضاً: أنه شهر التجارة مع الله تبارك وتعالى، فإذا كان تُجَّار الدنيا ينتظرون المواسم لِرَوَاجِ تجارتهم وبضاعتهم وزيادة أموالهم، ويتحمَّلون في سبيل ذلك الآلام والأهوال في السفر، وقد يتعرّضون لكثيرٍ من الأخطار والمخاوف، فإذا حَقَّقوا أُمْنِيَتَهُم وربحوا في تجارتهم ذهبت عنهم تلك الآلام، فما بالكم بالتجارة مع الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر المبارك؟!.. وللصيام فوائد عديدة، منها:

- الصيام سببٌ في غفران الذنوب، لقوله - صلى الله عليه وسلم- قال: («مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، و«مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»). شهر رمضان موسم من مواسم الخير، حيث يستفيد منه الفرد في زيادة إيمانه وتقوية عزيمته، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ}، كما يستفيد منه المجتمع في تراحمه وتعاونه وتكافله، حيث يعمّ التكافل جميع أفراد المجتمع المسلم.

- الصيام وقاية من الآثام، لِمَا ورد عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنه قال:(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)، وفي حديث آخر (وَالصِّـيَامُ جُنَّة)، أي سِتْر ووقاية من الآثام في الدنيا ونجاة من النار يوم القيامة.

الصيام يُهَذِّب الأخلاق والطِّباع، لقوله  صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ).

إِنّ بلوغ شهر رمضان الفضيل نعمة كبيرة على مَنْ بَلَغَهُ، وقام بِحَقِّه بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى من معصيته إلى طاعته، ومن الغفلة عنه إلى ذكره عزّ وجلّ، ومن البُعْدِ عنه إلى الإنابة إليه.

هنيئاً لمن أدرك رمضان، وشَمَّر عن ساعد الجدّ، واغتنم حلول هذا الشهر المبارك في طاعة الله ورضوانه وعمل الصالحات واجتناب المنهيات.

* خطيب المسجد الأقصى